رحمك الله يا أبي ورضي عنك آمين

كتبت أكثر من 400 موضوع في مدونتي هذه وقضيت فيها كل تلك السنوات الماضية وكتبت في الصحف وشاركت في بعض المنتديات ولم يخطر في بالي قط أنني سأكتب مثل هذه المقالة يوما ما ، ليس لأن موضوعها لن يكون له يوما مقدرا حتميا ، بل لأنه كان مجرد التفكير في هذا الموضوع يفطر الفؤاد ويدمي القلب ويسرح في الخاطر فضلا عن الكتابة عنه بعد وقوعه .

في ظهر يوم الاثنين 8 من ربيع الأول سنة 1431 هجرية  2010/2/22 م وفي الساعة الواحدة والنصف خرجت روح أبي الغالي من جسده مغادرة عالمنا عالم الوهم إلى عالم الحقيقة التي تنتظرنا جميعا بين يدي الله تعالى ، تسللت روحه الطاهرة من جثمانه العطر وأنا أنظر إليه بين مصدق ومكذب ، هل هي الروح التي تخرج ؟ أم هو فقط تطور لحالته المرضية التي صاحبته في سنواته الثلاث الأخيرة ؟ هل ما به مجرد ضيق تنفس يحتاج معه لجرعة من الأوكسوجين وحسب ؟ أم هي سكرات الموت التي نؤمن بها ولم نرها بعد ؟ هل ما أراه من حركة لشفاه أبي هي آخر حركة لها لا أسمع بعدها مناداته لي ولا أمره علي ؟ أسأل الأطباء بعد نظرة التسليم التي تنطق بها عيونهم ما بال أبي لا يتحرك الآن هل ممكن أن تحضروا جهاز إنعاش القلب ؟ فيردون : أطلب لأبيك الرحمة لقد وقع أمر الله الذي لا راد له .

عند هذه الكلمات أدهش وأرى وأمي بجانب أبي تشد على يده وتدعوا الله تعالى أن ينزّل رحماته عليه كما تنزل دموعها على خدها ألما لفراقه الوشيك ، وأخي الأصغر يشدهه المنظر لا يعلم ما يفعل يبكي لفراق أبيه أم لحزن أمه ودموعها ، وأنا أنظر إليهم هل أذرف دموع الابن على أبيه الحنون ؟ أم أتمالك النفس وألجم جفون الحزن بلجام المسؤولية التي تحملتها تصبيرا لأمي ولأخوتي الذين هم بين لحظة وأخرى سيدخلون علينا إثر اتصالنا بهم .

دخل إخوتي واجتمعوا حول أبيهم تسبق دموعهم كلماتهم وصلواتهم عليه ، كل يصبر الآخر وكلهم يحتاج إلى من يصبره بمصابه الجلل ، يتناوبون تقبيل أباهم المسجى مرة تلو المرة ليروون ضمأ فراق طويل وصله ، صبرت حتى رأيت أختي الصغيرة العزيزة على قلب أبيها وعلى قلبي فتهدمت أسوار تصنّع الصبر على وقع ضربات العاطفة الإنسانية الغلّابة .

ومضت الأيام بلحظاتها الطويلة الكل ينظر لك ماذا ستصنع يا بكر أبيك ؟ شهادة الوفاة وتجهيز والدك ليواريه الثرى وأخذ العزاء من كل من تلقاه أو تتلقى اتصاله ، أمك وإخوتك ، موعد الذهاب للمقبرة ومكان أخذ العزاء ، من سيضع اللوحات التي سترشد المعزين وأين عزاء النساء وأين عزاء الرجال ؟ هل اتصلت بجدتك و عمك وعماتك ؟ كيف ستنقل الخبر ؟ كيف وأين ومتى ولماذا وكل صيغة للسؤال الذي تضطر لإجابته وقول رأيك فيه ، كل ذلك وأنت تريد أن تستوعب بهدوء ما حدث وما يحدث من حولك وأنّى لي الهدوء .

وتمضي الحياة بنا كما مضت بأبي من قبلنا الذي لم يبقى فيها إلا 56 سنة عزاؤنا فيها هو رحمه الله ، لقد كان نعم الأب والأخ والإبن والجار والصاحب شهد له الأباعد قبل الأقارب من كان يعمل عنده اتصل من الهند ومن كان صديقه قبل 20 سنة اتصل من السعودية ومن كان في اجازته في كل مكان اتصل ، من كان موظفا معه في عمله قبل تقاعده اتصل ، وكل يروي لك حكاية من أياديه الكريمة وجانبا من سيرته العطرة ، تمتلئ المقبرة بالمعزين وكان يومها وحده من دفن في ذلك النهار وجموع المعزين تمتد وتمتد رأيت الرجال من أباعد الناس يبكون فراقه رحمه الله ورأيت الأقارب قد اجتاح الاحمرار بياض عيونهم .

لقد أمضى أبي رحمه الله تعالى عمره بارا بأمه وأبيه من قبل رحمه الله ، فكان لا يوصي بشيء مثل وصيته بأمه ، لقد رأيته مع أمه رحمه الله يترك الدنيا بمشاغلها ويطرح العقل والمنطق جانبا أمام عقل أمه ورأيها مهما كان ، وحين أقول له : يا أبتي لكن هذا الأمر ليس مناسبا أو لنأجله ليوم آخر يقول لي : إلا أمي .

وكان آخر أيامه رحمه الله لا يستطيع القيام من فراشه ، إلا حين تزوره أمه ( جدتي ) كان يستجمع ما بقي له من طاقه ونحمله حملا بعد إلحاحه حتى يجاور أمه ونسنده بجانبها ليقبل رأسها .

قبل وفاته بثلاثة أيام اتصل أمي قبل أذان الفجر تدعوني للقدوم في المستشفى بعد دخول أبي في غيبوبه منذ الليله الماضية ، فأتيتها فورا ، وسألتها وسألت الأطباء عن وضعه فأجابوا : إن أباك دخل في غيبوبه منذ البارحة ولا نعلم كم تستغرق ونحن فقط نراقب حالته ولا نستطيع عمل شيء له .

فجلست اكلم أمي وأراقبه وإذ بعينه تتحرك كأنه يستيقظ ، فنهضنا أنا وأمي له وإذ به يتمتم بكلمات لم نفهمها ، فقلت له : يبا تسمعني ؟ تامر على شي ؟ ولا يجيبني بغير التمتمات ، ثم حرّك يده يحكها ببعضها ، لم نفهم حركته حتى قال : الصلاة الصلاة، وفهمنا أنه يريد أن يتوضأ للصلاة .

فقالت له أمي : إن شاء الله تصلي ، بعد شوي يحضر الدكتور ونقوله ، ثم التفتت أمي صوبي وتقول : هو منذ البارحة فاقدا لوعيه منذ أن تركتموه على حاله لا يستطيع الصلاة ، وهو فعلا ليس عليه صلاة لعدم حضور وعيه معه ، وبينما أمي تكلمني إذ اغمضت عينه ووقفت حركته مرة أخرى ، وبعد دقائق عاد لنفس تمتمته وحركة يده ولا نسمع منه إلا : الصلاة ، تكرر هذا الوضع تحت إلحاحه حتى عزمت أن أعينه على الصلاة ، فأخذت الماء وأسبغه على يديه وعلى وجهه ورأسه ورجله حتى توضأ ، فقلت له : يبا توضيت الحمد لله ، فكبّر وبدأ يقرأ بتمتمه حتى أغمض عينه الإغماضة الأخيرة لثلاث أيام توفي بعدها رحمه الله ورضي عنه .

حاله الطيبة هذه كانت أكبر عزاء لنا وهو الذي أمضى اكثر من 15 عاما عضوا في لجنة زكاة القرين ورئيسا لها بعد أن شارك في تأسيسها سنة 1994 ، يذهب في الصباح ويرجع وقت الغداء ثم يذهب بعد صلاة العصر ويرجع في المساء ، كان رحمه الله في أيام رمضان يفطر في المساجد مع الفقراء والمساكين على موائد الإفطار ثم يكمل إفطاره في البيت معنا ، كان ليلة العيد لا يأتي البيت إلا قريب الفجر ليطمئن بنفسه على توزيع زكاة الفطر على محتاجيها ، كان رحمه الله صاحب مشاريع عدة لم يسبق إليها من أبرزها ( كرسي ذوي الاحتياجات الخاصة ) فلقد أنشأ رحمه الله تعالى هذا المشروع بالتعاون من المستشفيات المتخصصة بذوي الاحتياجات الخاصة ليوفر لهم كراسي تلبي احتياجاتهم وتتناسب مع أجسامهم وإعاقاتهم بدل الكراسي غير المعدة خصيصا لكل حالة تتناسب معها ، لقد كان رحمه الله تعالى منذ شبابه في الدعوة إلى الله يخدمها في كل مجال هو فيه مثال للسماحة والوسطية والانصاف رحمه الله .

اتصلت احدى موظفاته في مكتبه بعد سماعه الخبر لتروي قصة له معها ومع زميلاتها تقول : رحم الله أبو طارق كان مثالا للمسؤول المنصف فلقد كنت موظفة في مكتبه مع مجموعة من الموظفات وقد منحت ادارتنا درجة للترقية فتشوّفت إليها خاصة إنني من قبيلته ومن أقدم موظفاته وليس في درجتي وينافسني إلا زميلة صديقة لي لكنها ( شيعية ) ظننت أن بوطارق كونه اسلامي ومن قبيلتي سيمنحني تلك الدرجة لا محالة ، وتفاجأت بأنه منحها لزميلتي التي ليست من قبيلته ولا من طائفته ، لقد كان موقف بو طارق رحمه الله درسا لي ولكل الإداراة عن أن مقتضى الإنصاف والعدالة أقرب من النسب ومن الطائفة .

رويت بعض تلك المواقف التي رباني أبي عليها مع أمه ومع دعوته لما يؤمن به وأفكاره التي يعتنقها ، وحاله مع ربه سبحانه وتعالى ، عمله في وظيفته الحكومية وفي عمله التطوعي ، حكايات الناس عنه وشهاداتهم له ، معزيا نفسي وأهلي به ومفتخرا بأبي الذي أسأل الله تعالى له الرحمة والفردوس الأعلى مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين آمين ، ولعل الله سبحانه وتعالى أكرم أبي بأن توفاه بمرض بشّر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم المتوفى منه بمنزلة الشهداء قائلا :  ( ما تعدون الشهادة ؟ قالوا: القتل في سبيل الله تعالى. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الشهادة سبع سوى القتل في سبيل الله: المطعون شهيد، والغرق شهيد ، وصاحب ذات الجنب شهيد، والمبطون شهيد ، وصاحب الحريق شهيد، والذي يموت تحت الهدم شهيد، والمرأة تموت بجُمْع شهيدة )

وهنا أقول : لو كتبت دهري كله ما جازيت صنيع أبي في ولا بعضه ، لكنني أرجو الله تعالى أن ألتقيه عند ربنا سبحانه وتعالى وقد خلفته بما يبيّض وجهه ويعلي درجته في الجنة آمين ، وصل اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين وإنا لله وإنا إليه راجعون .


ابن أبي طارق

أصحابي


إن من نعم الله العظيمة علينا أن وهبنا أصحاب نفخر بصحبتهم في الدنيا يعيوننا على الخير ويشدون من عزائمنا وينهوننا عن الشر ويكبحون رغباتنا الجامحة نحو الشر ، ولقد كان على مر الزمان يأتي ذكر أصحاب الصلاح وأصحاب السوء متزامننا مع ذكر كل أحداث التاريخ العظيمة والشخصيات المؤثرة مما يدلل على أهمية الأصحاب وأثرهم .

وقد قال سيدنا صاحب السمو المفدى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم : المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل ) وقال عليه أفضل الصلاة وأجل التسليم : ( لا تسبوا أصحابي فلو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ) أي أن انفاق قدر جبل أحد من الذهب لا يساوي قدر ما يعطي أحد من أصحابه بملئ كفه ، رضي الله عنهم ، وقد قيل : عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه *** فكل قرين بالمقارن يقتدي .


أصحابي

لقد حباني الله بأخوة لهم علي أفضال كثيرة بقدر قدرهم ومكانتهم عندي ، ولو عددتهم لما وسعني المقال لذكرهم جميعا وذكر حسناتهم ، ولكنني أذكر اليوم نموذجا منهم لمناسبة الحدث لذكرهم أما الأول فهو الأخ العزيز فيصل اليحيى .

أخي فيصل تعرض لظلم من مكان عمله ( الفتوى والتشريع ) لأنه عمل بأصله الشجاع و طالب الفساد بالرحيل عن وطننا وواجهه على رؤس الأشهاد بينما اختبأ المفسدون في الجلسات السرية وخلف اللوائح المتعسفة ليسكتوا صوته الناطق بالحق، فأوقعوا به العقوابات المتعسفة لأنه قال رأيه برعاة الفساد وأهله ، ليخصموا من راتبه 15 يوم ، وربع الراتب لمدة سنة ، وترقية دفعته جميعهم ماعداه بمرسوم  !

كل ذلك لأنه شارك في مهرجاني ارحل وكان خطيبهما المفوه والندوات في ديوانه العامر قائلا لناصر المحمد ( ارحل نستحق الأفضل) بينما الذي شارك من نفس إدارته وزميلته نجلاء النقي لم يطالها شيء لأنها كانت في صف ناصر المحمد !!

بقد بدأوا بالكيد له وخصصوا له حلقة كاملة على قناة الانحطاط الإعلامي المدافعة عن ناصر المحمد بالتهجم عليه لليلة كاملة سبقها وأعقبها التعرض له ومحاولة النيل من شخصة ومبدئه الثابت .

وهنا أقول لأخي العزيز وصاحبي الذي أعتز بصحبته :

أعلم يقينا يا أخوي أنه لا يساوي عندك عقوباتهم جناح بعوضة ، وإنهم وما يملكون من سلطة أتفه من أنك تعبأ بسلطتهم ، لكنه يحزنك كما يحزن كل حر وقوع الظلم والجور عليك .

يا أخي وصاحبي إنه منذ علمت بالخبر ودمي يفور غضبا لما وقع عليك ، كما تغلي دماء إخوانك ولن تخمد إلا بأخذ حقك ، وما كم الاتصالات الغاضبة والتي تلقيتها أنت وتلقيناها نحن إلا تعبيرا عن ذلك الغضب ، وعزاؤنا يا أخوي أن الحق قوي بقوة الله تعالى القائل في الحديث القدسي ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏ :‏‏ ( قال ربك جل وعز‏:‏ وعزتي وجلالي لأنتقمن من الظالم في عاجله وآجله ولأنتقمن ممن رأى مظلوماً فقدر أن ينصره فلم يفعل‏ ) فأبشر بالخير واستصحب معية الله تعالى ولنواصل المسير نحو رفع الظلم عن الشعب كله برحيل هذه الإدارة الفاسدة الظالمة ، وإرساء العدل حكما بين الناس قريبا إن شاء الله .

( اضغط على الصورة للتكبير ، وهل أحتاج لأن أشير عليه في الصورة ؟ :) )

أما أخي وصاحبي الذي جاوزت صحبتنا العشر سنوات أبا يوسف علي السند فلقد غمرتني السعادة والفرح منذ البارحة بخبر حصوله على درجة الماجستير بتقدير امتياز من دار العلوم في القاهرة في موضوع ( علم المناظرة ) وهو جدير بها أخذها من علو وفضل ، فلقد سبقت حجته ومنطقه شهادته منذ عرفته ، وإنه إن شاء الله إضافة لهذا العلم وللتعليم عندنا في الكويت حين يرجع بشهادة الدكتوراة .

ولقد شهدت مراحل أخذ أخي وصاحبي علي للعلم منذ سنوات بعيدة فقبل عشر سنوات حين التحقنا بالمجموعة الشرعية لنستكمل هذا الجانب القاصر لدينا رأيته ينهل من العلم ويستودعه عقلا لا يسلم بكل ما يسمع بل يفحص ويعترض ويضيف ويعدل ويقارن ويفلسف حتى يخرج باستنتاجات وأفكار غاية في الرجاحة والحكمة ، إنه لم تكن تغريه شهوة العلم والتلقي عن التفكير وإعمال العقل ولم توهمه هالات العلماء الأفاضل ومشايخنا الكرماء عن رؤية الرأي الآخر والفكرة المحتملة ، ولم يكن ذلك في علوم المنطق والكلام والفكر الإسلامي والفلسفة فحسب حتى في علوم الشريعة وتراثنا القديم الزاخر من فقه وحديث وتفسير وأصول وقواعد فقهية ونحو وصرف ولغة وبلاغة وغيرها من العلوم التي اجتمعنا فيها وفرقنا تفوقه وتميزه حفظه الله .

أما صاحبي وأخي الثالث بومحمد نبيل المفرح الذي هو بطريقة ما سبب كتابة هذا الموضوع ، فقد كان صاحب الفضل الأوحد الذي لا يدانى في تجهيز إخراجي من العزوبية إلى الحياة الزوجية ، فعلى مدى استعداداتي كلها في هذه المرحلة كان هو المرشد والدليل والصاحب في كل وقت من ليل أو نهار ولم يهدأ حتى آخر لحظه ، وها لا بد من شكر أم محمد على وقت زوجها الذي هو من حقها فجزاها الله خيرا .

لقد كان أخي وصاحبي بومحمد خبيرا بما يقول ويفعل ماشاء الله ، ليس في ما قام به معي من فضل بل في كثير من أمور الحياة الاجتماعية التي يتميز بها ، فعلاقاته الواسعة بالناس واحترامهم له واحترامه لهم غريبة حتى لا تكاد تسأله عن أحد أو معاملة أو وظيفة أو شهادة إلا وعنده منها علم خبر ، ولذلك نعوّل على رأيه وعلاقاته كثيرا ، وهو بعد غالبا ما يعطينا وجهة الرأي الاجتماعي الذي يتعلق بالمجتمع في كل فكرة ورأي نتداوله فيسد عنّا ذلك الثغر .


أما علاقة أخي بو محمد بهذا الموضوع فهو أنني أكتب هذا الموضوع أودعكم فيه إلى حين قريب إن شاء الله وذلك نتيجة توابع الزلزال الشخصي الذي اتعرض له والذي سيغير حياتي إلى الأبد وإلى الأفضل ، والذي كان بو محمد طرفا رئيسيا فيه.


هؤلاء نموذج من نعيم الجنة الذي أظن الله تعالى سائلني عنهم بقوله : ( ثم لتسألن يومئذن عن النعيم ) ، أما بقية أصحابي وأخوتي فلا أظن الدهر ينقضي إلا ويسجل لهم شأنا يحبه الله تعالى ورسوله ويحبونه .


ملاحظة الختام :

بعد هذا الموضوع ، أتأمل وأرجو ممن يقرأ هذه الملاحظة ، أن يشغل فترة الإجازة بالتفكير و ترتيب الأوراق و تجميع الصفوف لمرحلة مهمة وضرورية يحتاجها وطننا وشعبنا ، مرحلة نستعين بالله عليها ليعيننا على أن نحيا حياة حرة محترمة أفضل نستحقها برحيل رؤوس الفساد ورعاته .

الدولة المدنية : الإسلاميون ليسوا الطريق لها

هذه المقالة هي المقالة الثالثة من سلسلة مقالات ( الدولة المدنية ) التي بدأت كتابتها قبل أشهر، وإنني مازلت أقلب هذه الفكرة محاولا إنضاجها ، والهدف من هذه المقالات بالدرجة الأولى هو الوصول لتصور يمكنني – شخصيا – الانسجام معه والدفاع عنه والتبشير به أيضا ، وإنه كما كانت قناعاتي السابقة قابلة للتغيّر والتبدل تبقى هذه الرؤية – الشخصية – قابلة أيضا للتغيّر والتبدل ، ولقد قيل :  ( من ألّف وكتب  فقد عرض عقله للناس ) .

إن الاجتهاد البشري كما هو مسلّم لدينا قابل للخطأ والصواب ، بل إن الخطأ والصواب هما ميزات التجربة والاجتهاد البشري الذين على أساسها يستقيم الفكر ويتطور ، وعنّي أنا ، سأعمل على إقناع الناس بما أراه خير لي ولهم ، ورحم الله امرئ أهدى إلي عيوبي .

وقبل البدء في قراءة المقالة أحيلكم لقراءة المقالين السابقين لها حتى يتصل السياق وتحرر المصطلحات المعنية بالمقال :

المقالة الأولى : الدولة المدنية .

المقالة الثانية : الدولة المدنية : تحييد البعد الغيبي .

المقالة :

في مقالتي الأولى التي كانت تحت عنوان ( الدولة المدنية ) أوردت جملة تقول  : (هذا الفهم للدولة المدنية التي عاش في كنفها الجيل الإسلامي الأول يردده ويسير على منواله اليوم الإسلاميون ويطالبون به ) مستشهدا بعبارة للأستاذ الدكتور محمد حبيب نائب المرشد السابق للإخوان المسلمين رشيقة رائعة تدلل على فهم موزون وراق للدولة المدنية يقول فيها : (ما يؤكد ذلك هو أن الإسلام تحدث عن التساوي بين المواطنين جميعا في الحقوق والواجبات أمام القانون، ولا توجد سيطرة لرجال الدين، وعليه فالدولة التي يعرفها الإسلام هي دولة مدنية لها مرجعيتها الإسلامية، وهي دولة مؤسسات.. تشريعية وتنفيذية وقضائية، مع وجوب الفصل بينهما ) المصدر .

كما يقول العلّامة الدكتور يوسف القرضاوي حفظه الله : (فالدولة الإسلامية كما جاء بها الإسلام، وكما عرفها تاريخ المسلمين دولة مَدَنِيَّة ) المصدر

ويقول المفكر الإسلامي محمد سليم العوا : ( أنه مما لا خلاف فيه بين أهل الاختصاص أن إسلامية الدولة لا تنافي مدنيتها، بل هي مقررة في شريعة الإسلام وفقهه ) المصدر

لقد راجعت تلك العبارات وغيرها من التي تثني على سير الإسلاميين في طريق الدولة المدنية والمطالبة بها ، ومن وحي تلك المراجعة والتأمل الذي صاحبها أكتب هذه المقالة ( الدولة المدنية : الإسلاميون ليسوا الطريق لها).

في البداية لابد من الإشارة لعدة نقاط رئيسية أود تثبيتها قبل ولوج المقالة ، وهي إنني أعتقد أن الإسلاميين بشكل عام هم العنصر الفاعل بشكل رئيسي في العالم العربي والإسلامي فحركات المعارضة هم في طليعتها كما أنهم – الإسلاميون – أكثر الحركات أتباعا وتأييدا في الشارع العربي والإسلامي ، وهم الأكثر والأقدر تنظيما وحشدا ، وهنا أصف واقعا ولا أقيّمه ولا أحكم عليه ، لكنني أقر بوجوده حرصا على الموضوعية وتحري الإنصاف .

كما أحب أن أشير إلى أن الإسلاميين – كما أعرف وأعتقد – ليسوا على مسطرة واحدة من الفهم والرؤية والخطاب ، هناك فروقات على مستوى الحركات فيما بينها ، وهناك فروقات واختلافات أيضا على مستوى الطيف السياسي نفسه ، فهم يراوحون بين أقصى اليمين وأقصى اليسار وبينهم التيار الوسطي .

ما سبق من رأيي في التيار الإسلامي لا يمنعني من القول : أنه على اختلاف مناهج الإسلاميين ورؤاهم وخطابهم ، ورغم مطالبات بعضهم – على الأقل – بالدولة المدنية ، وإن على مستوى الآراء الفردية أو ربما في تصريحات بعض مسئولي تلك الجماعات والحركات الإسلامية ومفكريها ، إلا أن ذلك الطيف في المجتمع - الإسلاميون – بت مقتنعا بأنهم ليسوا الطريق إلى قيام المجتمع المدني والدولة المدنية من بعد .

وهذه القناعة تقوم على ركيزتين أساسيتين ، الأولى تكمن في العامل المكون للفكر والخطاب الأيدلوجي للتيار الإسلامي إضافة إلى آلياته وممارساته وموروثه ، والثانية تكمن في العامل الخارجي المحيط بالتيار الإسلامي وهو المجتمع وقوانين التعامل معه ومعالجته .

أما الركيزة الأولى المتعلقة في التيار الإسلامي نفسه أيدلوجيته وآلياته وممارساته وموروثه فرأيي فيها هو التالي:

- بدأ حراك التيار الإسلامي معلنا خطاب الثورة على الواقع الاستعماري الذي تقبع الأمة فيه تحت سطوة الاستعمار الذي يمنع المسلمين من أن يقيموا نظام حكمهم ودولتهم ، بل إن تلك القوى المستعمرة هي من أسقط ما تبقى من نظامهم الإسلامي ( الخلافة العثمانية ) في عشرينيات القرن الماضي بعدما سقطت داخليا رغم محاولات الإسلاميين الأوائل - الأفغاني ، عبده -  النهوض .

في البداية لم ينادي الإسلاميون الحركيون المنظّمون ( البنا – المهدي – السنوسي – الخطابي) بالنموذج الإسلامي كأولوية تكون هدف حركاتهم ومقاومتهم بل كان الهدف إعادة الوضع لما قبل الاستعمار وحسب ، وهنا يمكن تفهم هذا القبول بالحد الأدنى دون الأولوية مراعاة للظروف لولا أن ذلك القبول بالحد الأدنى مناقضا لحد كبير للنموذج الذي ينادي به الإسلاميون ، و مثال ذلك قبول الإخوان المسلمين تولي الضباط الأحرار شؤون مصر خلفا للملكية .

ذلك القبول بالواقع عطّل إلى حد كبير تطور الفكرة الإسلامية عن الوصول لفكرة الدولة المدنية وجعلها خطابا متسيدا المشهد السياسي الإسلامي ، بل أصبحت الحركات الإسلامية تنشغل في معالجات الواقع الجديد الذي أعقب الاستعمار واقع ( الدولة المستبدة والحكومات الدكتاتورية ).

كل تلك الظروف جعلت خطاب الإسلاميين يناقش قضايا بديهية في المجتمع المدني والدولة المدنية مثل : إلزامية الشورى من عدمها ، مشروعية الديمقراطية ، المشاركة في الانتخابات ، قبول الوظيفة الحكومية ورواتبها ، العمل في ظل الدولة الظالمة .

صاحب ذلك ظهور خطاب يحاكي فترات تاريخية غير متناسبة مع واقعنا السياسي والاجتماعي ولا ظرفنا التاريخي مثل : الفترة المكّية وما يصاحبها من قبول البطش والتعذيب والصبر عليه والعمل السري ، ثم الدولة المدنية المنشغلة بإصلاح الناس ودعوتهم والكف عن الخوض في مؤسسات المجتمع وهيئات الدولة .

تلك الظروف وما صاحبها من خطاب مازال هو الذي يثقل الحركات الإسلامية ويجعلها تنظر لمجتمعاتها نظرة التميز عنه كونها مرت وتمر بظروف استثنائية ، وكونهم – الإسلاميون - بتلك الميزة هم المعنيون الوحيدون بالتغيير والنهوض وأنهم هم الطليعة التي تتربص بالواقع لتنقض عليه لتقيم اعوجاجه وتصلح خلله ، كما أنهم هم دون سواهم الخطر الذي تتعقبه الدولة وتمكر به الليل والنهار لتوقف تمدده وانقضاضه عليها .

وتحت تلك الفكرة يقبع الإسلاميون من حيث يشعرون أو لا يشعرون تحت وطأة خطاب داخلي وخارجي خائف وتوجس من الانكشاف والشفافية والعلنية ، فنرى ممارساتهم داخليا محكومة بالسرية و ( أدبيات ) الكتمان والتخفي والانتظار والصبر وتنقية الصف ومعالجة الخلل الداخلي وغيره من أجواء مرضيّة مصطنعة لا داعي لها البتة ، بل تهز الثقة وتفقد الشجاعة و تثقل المسير وتحبط عن القيام بالواجب .

وخارجيا تنظر للمجتمع بأنهم هم المخلصون له من مشاكله والمعالجون لآلامه الآخذون بيده من ضيق الدنيا الصاخبة الغربية المتنكرة لثقافته ودينه ، إلى رحاب سعة الحياة الهادئة المستقرة المنسجمة مع مثله وقيمه وشريعته ، كما ينظرون للدولة بأنها الجزء المتبقي من فترة استعمارية سيئة الذكر لا يخرج من واقعنا ولا هو نتاج ثقافتنا ومبادئنا بل هو فرض من الخارج سيزول يوما ويرحل كما جاء !

ذلك التاريخ للإسلاميين منذ بدايتهم مرورا بالظروف التي عايشوها ساهمت في تطوّر فكرتهم نحو المجتمع المدني والدولية المدنية وهذا الجانب المشرق والباعث للأمل من ناحية في تلك المسيرة التاريخية الطبيعية في أي فكر وتيار ، لكن من ناحية أخرى ليست مشرقة بل ربما تقترب من القتامه أن الإسلاميين  باتوا أسرى لحد كبير لتلك الظروف  و صاغوا خطابهم بناء عليها لا على نموذجهم الذي يتطلعون له ويبشرون به ، كوّن لدي قناعة مفادها أن الإسلاميون من حيث تكوينهم الداخلي شكلا ( ممارسة ) ومضمونا ( فكرا وأيدلوجية )  يفتقدون القدرة لأن يكونوا بناة ومقيمين للمجتمع  و الدولة المدنية ، وتلك هي الركيزة الأولى التي كوّنت عندي تلك القناعة ، أضعها بين يديكم منشغلا في كتابة الركيزة الثانية التي أعدكم بها قريبا إن شاء الله  .

إنها سنين و ليست أعوام

يقول الله تعالى في قصة يوسف عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام : ( وقال الملك اني أرى سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف وسبع سنبلات خضر وأخر يابسات يا أيها الملأ أفتوني في رؤياي إن كنتم للرؤيا تعبرون ، قالوا أضغاث أحلام وما نحن بتأويل الأحلام بعالمين ، وقال الذي نجا منهما وادّكر بعد أُمّة أنا أنبئكم بتأويله فأرسلون ، يوسف أيها الصديق أفتنا في سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف وسبع سنبلات خضر وأخر يابسات لعلي أرجع إلى الناس لعلهم يعلمون ، قال تزرعون سبع سنين دأباً فما حصدتم فذروه في سنبله إلا قليلاً مما تأكلون ، ثم يأتي من بعد ذلك سبع شداد يأكلن ما قدمتم لهن إلا قليلاً مما تحصنون ، ثم يأتي من بعد ذلك عام فيه يغاث الناس وفيه يعصرون )


يقول أهل اللغة العربية حين وقفوا على الكلمتين في الآيات الكريمة السابقة ( سنين ) و ( عام ) أن السنة حين تأتي في ذلك السياق سياق الزرع والحصاد تكون منسجمة مع معاني الجدب والقحط والجفاف والضيق ، و كلمة ( العام ) تأت في سياق الرخاء والنماء والزرع والمطر والخضرة ، ومن ذلك قول الله تعالى : ( وأخذناهم بالسنين ) أي بالقحط المستمر وشحة المطر .


إن سنين الكويت الأخيرة ليست أعواما ، لما اكتنفنا من ضيق وسوء وفشل وإحباط وقلق على مصير وطن ، وتطاحن على توافه الأمور وسفاسفها ، وإدارة فاشلة مفسدة لكل ماهو صالح أو لكل ما أو من يرجى صلاحه حتى ، وبالتالي على أي أساس أهنئ نفسي وأهنئكم ؟


إن عزائي في أننا مازلنا قادرين على الفعل وعدم الاكتفاء برد الفعل وهذه هي المعادلة التي علينا الانتباه لها والتمسك بها، إن كل السنين التي نمر بها على سوئها إلا أنها لم تسلبنا - حتى الآن - المبادرة وفرصة القدرة الفعل ، ولعل هذا هو مبعث أملي بمستقبل أعوام أفضل .


هذه خاطرة مع كثرة التهاني وتبادلها بالعام الجديد ، وهي وإن بدت شاحبه إلا أنها خلاف ما تبدو عليه ، فالعزيمة على رحيل السنين وقدوم الأعوام كبيرة ، والله الموفق .

علمّنا الحسين يا رئيس الوزراء

تربينا ونشأنا على أننا تلاميذ في مدرسة الحسن والحسين رضي الله عنهما ، حتى أصبحت دروس شجاعة الحسين و حكمة الحسن تتجلى في حياتنا وفي رؤيتنا للأمور ، فرأينا دماء الحسين تسفك في غزة و تساءلنا بعدها كم حسينا في غزة المحاصرة بحصار الطغاة الذين يتسمون بأسمائنا ويتكلمون بألسنتنا وهم أشد إيلاما وأذى وحصارا لنا من عدونا الصهيوني .

إن حادثة كربلاء واستبسال الحسين وآل بيته الأطهار فيها ليست قصة للتسلية ولا لاجترار البكاء والحزن والنواحة واللطم ، فلم يسترخص الحسين رضي الله عنه دمه ودماء أهل بيته لنبكيه وننوح عليه ونلطم الصدور والوجوه ونشق الجيوب ، بل كانت دماؤه رضي الله عنه مدادا كتب بها : أن اثبتوا على مبدأكم ودينكم يا أتباع جدي رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، التزموا سنته التي في سبيلها ضرب وأدميت قدماه وطرده قومه وفارق لأجلها أحباءه وأهله .

و من أهم الدروس التي تعلمناها من الحسين الشهيد رضي الله عنه أن على حملة الحق أن لا يستوحشوا طريقه ولو كانوا لوحدهم ، فليست الكثرة دليل الأحقية ولا القلة دليلا على ضعف الرأي ومجافاة الصواب ، إن صاحب المبدأ الحق كثير به وإن كان وحده وصاحب الباطل قليل بباطله وإن كان معه قنوات فضائية و ( 35+1 ) نائب وصحف وكتّاب مأجورين .

إن تلك المبادئ وتلك السنة التي خطها النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وسار على إثرها الحسين رضي الله عنه هي محاربة  الظلم والفساد والإفساد في الأرض ، وإن السكوت أمام الفساد والظلم هو فساد وظلم أكبر من القتل ، فقتل الأشخاص واعتقالهم ومضايقتهم مهما علت مكانتهم أهون من قتل المجتمعات وذبح مبادئها واعتقال إرادتها .

والآن أضع بين أيديكم حلقة من سلسلة حلقات للدكتور طارق السويدان حفظه الله يتكلم فيها عن ثورة الحسين رضي الله عنه وعن الدروس المستفادة من تلك الثورة المتجددة في حياة الأمة ، ولقد اخترت هذه المقطع من تلك السلسلة للفكرة المتجلية فيه وخاصة في الدقيقة ( 2.50 ) وهي رسالة لكل من يقرأ ليعرف ما الذي يبقينا محاربين للفساد والظلم ، نسأل الله الثبات وحسن العمل آمين .

ملاحظة : هذا الموضوع أكتبه منذ عدة سنوات في مثل هذا اليوم العظيم ، وللاطلاع عليها أحيلكم للروابط في مقدمة المقالة .

إنتهاء عهد وبداية عهد جديد

عاجل واستدراك :  وأنا أكتب هذا الموضوع وصلتني رسالة من خدمة ( الخبر ) الإخبارية أن وزير الإعلام صرّح بضرورة مراقبة المدونات قائلا إن ما يطرح في المدونات أخطر بكثير مما يطرح في الصحف والفضائيات !!

تعليقي : إنت من صجك والله ؟! هذا الي الله قدرك عليه يا من طلب ممثلي الأمة طرح الثقة فيك لعدم كفاءتك وما انقذك إلا الاستقالة وتدوير حكومي ؟!

الحين صاحبكم وأداتكم ( الجويهل السفيه ) هو الي يتطاول على الأمة والمراقبة تتم علينا والتضييق يطولنا ؟! حدك مضيع العنوان يا وزير الإعلام بالوكالة ، وما ظلمناك لما طالبنا في بيان ( لجنة الإنقاذ الوطني ) بإقالتك ، وتصريحك هذا يدل دلالة واضحة أن سياسة الحكومة برئيس وزرائها عمرها ما تتعدل ولا تتعلم ، الحين بتنتقم منا يوم أعلناها في وجه رئيسك وقلنا ( ارحل … نستحق الأفضل ) وحركنا الشارع عليه ؟! ، خلنا نشوف منو الي بيراقب الثاني .

في البداية أحب أن أشير لموقف ودعوة حملة ( ارحل … نستحق الأفضل ) وأدعو الجميع للاطلاع عليها والمشاركة فيما طرحته الحملة .

إن ما يحدث اليوم من محاولات ضرب الوحدة الوطنية وتمزيق نسيج المجتمع ليس وليد الصدفة ولا هو من قبيل الارتجال غير المحسوب ، بل هو نتاج عملية ممنهجة أشرنا إليها مرارا وتكرارا عنوانها ( فرّق تسد ) ، إن أي قوة  في العالم ستسعى أول ما تسعى لإضعاف خصمها ، وليس هناك خصم لأي حكومة إلا المعارضة لها المتحصنة بقوى الشعب ، ولإضعاف تلك المعارضة لابد من تشتيت قواها وتفكيك جبهتها وإلهائها بمختلف القضايا كبيرها وصغيرها لتلتفت وتنشغل عن لب المشكلة وأساسها ، وهذا ما يحدث اليوم .

لقد ضربت الحكومة الليبراليين في بداية السبعينيات بالإسلاميين ، ثم حين أضعفتهم ضربت الشيعة بالسنة في الثمانينيات وأحداث العراق وحربها مع إيران ، ثم حين أضعفتهم ، ضربت الإسلاميين بالقبائل ، وشرعنت الفرعيات ثم غضت الطرف عنها ثم حين سادت العصبية وتحزبت القبائل ضربتها بالقوات الخاصة وضربتها ببعضها ثم ضربت كل قبيله بأفخاذها وعوائلها ، ثم ضربت الحضر بأبناء القبائل وضربت القبائل بالحضر ، وستستمر الحكومة بهذا المنهج ما بقيت الحال على ما هي عليه .

بالنسبة لي أجده مفهوما أن تسعى أي حكومة لحماية نفسها وإطالة أمد بقائها بضرب القوى والأحزاب السياسية والتجار وصنّاع الرأي وأصحاب القلم ، وأتفهم لجوء الحكومات والأنظمة لوسائل غير محترمة وخبيثه أحيانا كثيرة في البيئة السياسية غير النظيفة عادة في سبيل ذلك ، لكن من غير المقبول ولا المفهوم أن تسعى حكومة ما إلى تدمير شعبها وتفتيت المجتمع مقابل بقائها !!

ومع ذلك ، وبالرغم تحفظي الكبير على تلك التقسيمات والمسميات إلا أنها واقع علينا واجب السعي والعمل لتغييره ، لنستبدل كل تلك التقسيمات بالمواطنة ولا شيء غيرها ، فكيف يتم ذلك ؟

يردد البعض اليوم أن الغضبة التي تجتاح البلاد من أبناء القبائل هي فزعة عصبية قبلية ليس لها علاقة بالمواطنة ومعانيها ، وإن نصرتها ودعمها هو دعم للتعصب القبلي ولتقوية شوكة القبائل على حساب الدولة والقانون ، وإلا لماذا لم ينتفض أبناء القبائل إلا حين تعرضوا للتجريح بينما سكتوا حين تعرض غيرهم لما تعرضوا له ؟!

وتعليقي على تلك التساؤلات هو التالي :

أولا : نعم هناك من أبناء القبائل من انتفض عصبية وحمية قبلية صرفة وهذه الانتفاضة ليست ما يجب أن يكون ولكنه حق ومفهوم ومعتبر ، إن التهاون في نصرة الغير والتكاسل عنه لا يمكن أن يكون حجة لتهاون من وقع عليه الأذى ، فلبما يتكاسل الإنسان عن نصرة أخيه ونجدته ضعفا أو خوفا ، لكنه حين يتعرض أهل بيته وأبناءه للخطر ينسى الضعف والخوف وتشتعل الحمية في نفسه ، وهذا تصرف بشري طبيعي ، وعليه تهاون القبائل في نصرة من تعرض للغبن والسوء من أبناء الوطن لا يجب أن يكون حجة عليهم حين قاموا نصرة لكراماتهم وأنفتهم .

ثانيا : من أبناء القبائل من وظّف غضبته وحميته التوظيف الواجب والمفترض فجعل من غضبته لقومه وأهله وقودا وحجة للدفاع عن الدستور والمواطنة وردا على السفهاء الجهلاء ومن يحركهم ، ولقد تشرفت شخصيا بالانضمام إلى ( لجنة الانقاذ الوطني ) الذي سمعت فيه من أبناء القبائل ما يرفع الرأس ويثلج الصدر فاعتزازهم بمواطنيتهم وولائهم لأرضهم ودستورهم ووعيهم العالي بخطورة ما يجري على الوطن ومواطنيه جميعا كان سائدا بل محل اتفاق جميع أعضاء اللجنة التي شاركهم فيها الحضر جنبا إلى جنب .

ثالثا : اليوم هي فرصتنا كشعب بمختلف انتمائاته وتصنيفاته أن نجتمع على كلمة سواء ، وليزايد اليوم أبناء الحضر على البدو وليكن حشدهم في تجمع اليوم وفي الفعاليات القادمة أكبر من البدو ليوصلوا رسالة أن ما يمسكم يمسنا جميعا وأننا حين تهاونا عن نصرة بعضنا أمام من يريد تفتيتنا وتمزيق وحدتنا كنا جميعا مخطئين وإننا لن نكرر هذا الخطأ بعد اليوم ، وإنه بوقفتنا اليوم نؤسس لعهد جديد من المواطنة الحقة ، عهد عصي على كل من تسول له نفسه العبث به أو الاقتراب منه .


إن ما يجري اليوم فرصة كبرى للشعب أن ينهي عهد بائس فشل فيه رئيس الوزراء عن أي إنجاز يذكر بل إن عهده مملوء بالكوارث والمصائب على مختلف الصعد والمستويات ، إن رحيل رئيس الوزراء وسياساته ضرورة وطنية ، ليبدأ الشعب بعدها بروح جديدة لعهد جديد ننطلق فيه نحو غد أفضل .


من هنا يجب أن نبدأ

يقول الله تعالى : ( إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ )

إنني لن أخطاب رئيس الوزراء فالكلام معه ضائع ، ولا ينفع معه سوى الفعل الذي يسقطه من الكرسي الذي لم يثبت إلا بأمواله الخاصة ، وبتصويت النوّاب الذين يمثّلون على الأمة الـ( 35 متعاون +1 ممتنع ) و الذين لم يسقطوا هذه الحكومة ويرفضوا التعاون معها ، بل تعاونوا مع من هذه صفاته التي أقتبسها من بيان حملة ( ارحل … نستحق الأفضل ) وهي :


1- يعطي شيكات لنوّاب أثناء نيابتهم .

2- ضللكم بنكران وجود الشيكات ثم اعترف ثم انكر ثم قال لحالات انسانية ثم تبين أنها لمصالح تجارية .

3- لمن يصر ويكرس منهج إعطاء الشيكات للنواب ولم يعتذر ولم يتعهد بعدم العودة لذلك .

4- انفق عشرات الملايين دون أن نعرف التالي : هل فعلا اشتري بتلك الأموال أغرضا وحاجات لصاح الدولة ؟ وما هي تلك الحاجات ؟ ومن اين اشتريت ؟ وبكم اشتريت ؟ ولمن اعطيت ؟ وما هي اسماؤهم وصفات من أعطيت لهم ؟ وأين فواتير الشراء ؟ وأين وصولات القبض والاستلام ؟ وغيره من تساؤلات قال عنها ديوان المحاسبة في تقريره : ( أنه لم يثبت لديوان المحاسبة أن تلك الأموال صرفت في الصالح العام ) .

5- تولى 6 حكومات في أقل من 4 سنوات ، وحل في عهده مجلس الأمة 3 مرات وهو يقودنا من فشل إلى فشل أكبر .

6- الذي وصل بالكويت إلى المرتبة الأخيرة خليجيا على سلم الفساد والذي يهوي بنا سنويا على مستوى العالم الى درك الفساد .

7- جعل جلسة استجوابه سرية حتى لا يطلع الشعب على عجزه وفشله وتجاوزاته .


إنه كان من المفسدين :


نوّاب الأمة الـ(35+1 ) لم يقولوا لرئيس الوزراء إن الفساد في عهدك وتجاوزاتك بلغت حدا لا يمكن السكوت عليه ، لم يقولوا له : في عهدك خرج شي أسمه ( الجويهل ) يضرب الوحدة الوطنية ويمزق المجتمع .

لقد استشهدت في الآية الكريمة أول الموضوع وفيها أمر ما ذكره الله تعالى إلا لحكمة حيث قال تعالى عمّن يمزق الوحده الوطنية ويفرّق المجتمع التالي : ( إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا ) يعني فرق وجماعات بدو وحضر مزدوجي الجنسية وغير مزدوجيها ، سنة وشيعة ، داخل السور وخارج السور ، ثم وصف الله تعالى من هذا حكمه بوصف غاية في الدقة فلم يقول سبحانه إنه كان من الكافرين ولم يقل إنه من الظالمين ولم يقل إنه من الخاسرين بل قال بوصف دقيق (  إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ ) فهل أحتاج لأذكركم كم وصلنا في سلم الفساد وكم ننحدر سنويا في ظل حكومات رئيس الوزراء ؟!


والله ما قلناها عبثا حين قلنا ( ارحل … نستحق الأفضل ) و والله ما نقولها اليوم ونكررها لرئيس الوزراء ولغالبيته النيابية التي رفضت التصويت لرحيله ، بل أبقوه ليعيث ( الجويهل ) وسكوب ومن لف لفها في الكويت فسادا ويجعلون أهلها فرق وجماعات متناحرة .


لقد أغريتموه


يا من تمثّلون على الأمة ياما رفضتم اسقاط رئيس الوزراء وعدم التعاون معه ، إنكم تتحملون نتيجة ما يجري اليوم من فساد وشق صف الأمة و ضرب وحدتها ، إنكم ضمانة بقاء هذا الحكم الفاشل وضمانة بقاء هذا الإعلام الهابط ، وضمانة استمرار وضعنا الفاسد كدولة .

إن رئيس الوزراء هذا أو غيره لو وجد من نوّاب الأمة من يمثل الأمة بحق لما غمضت عينه ولا هدأت نفسه وهو يرى شعبه ومجتمعه يضرب بعضه رقاب بعض ، لكنه وجدكم ( الطوفة الهبيطة ) الطينة الرخوة ، والأداة الطيعة ، فاستخفكم فأطعتموه .


يا إخواني وأخواتي


يا أهلي وعزوتي أهل الكويت يا شباب الديرة ، والله ثم والله ثم والله إنها ليست حزبية ولا قبلية ولا طائفية ولا طبقية والله إنها نار لا تبقي ولا تذر وإنها إن لم نطفئها اليوم ونخمد شرارتها فستحرقنا جميعا ، يا أهل الكويت الغالية ، إن ما نراه اليوم ليس حدثا عابرا وليس صدفة ، بل هو منهج فساد مستمر عنوانه ( فرّق تسد ) بدأ بنا دوائر صغيره ثم مناطق داخلية وخارجية ثم حركات سياسية ثم بدو وحضر ، ثم سنة وشيعة ، ثم داخل السور وخارج السور ، ثم مزدوجين وغير مزدوجين ، ثم مع آل الصباح وضد آل الصباح ، ثم الهلاك والدمار ورفع السلاح وإراقة الدماء وانتهاك الأعراض ، هذه سيرة الدول التي سادت ثم بادت بأيدي أهلها ولقد قال الأول وقد صدق :

أرى تحت الرماد وميض نار ويوشك أن يكون لـه ضـرام

فإنّ النار بالعـودين تذكـى وإن الحرب مبـدؤها كــلام

فإن لم يطفئوها عقلاء قوم يكون وقودها جثث وهامو

وقلت من التعجب ليت شعري أأيـقـاظٌ ( كويت )  أم نـيـام

فإن يقظت فذاك بقـاء ملـكوإن رقـدت فـأنـى لا ألام

فإن يك اصبحوا وثووا نيامـافقل قوموا فقـد حـان القيـام


من هنا يجب أن نبدأ


الواجب هو إصلاح جذري للدولة وهدم بنيانها الفاسد ، من إعلام ومؤسسات ورموز وشخصيات وسياسات ووضع سياسي ، وتقسيم مناطقي ، ونظام ديمقراطي مسخ ، وبناء دولة مدنية حقيقية ، يكون الدستور عقدها الاجتماعي ، وتكون الأمة فيه بحق مصدر السلطات وصاحبة السيادة ، و لن يهدم الفساد ولن تبنى الدولة إلا بروح جديدة تجتمع عليها القلوب  وتصفى  من  أجلها  النفوس ،   نحتاج إلى ( جبهة عمل وطني ) يصطف فيها اليبرالي والإسلامي والمستقل  ،  الشيعي والسني ،  البدو والحضري  ، جبهة لا تحمل من  أرث التنازع  السياسي والأيدلوجي شيء ، جيهة حرة من كل إرث سيء حمله من كان قبلنا ، جبهة لا تنظر لماض مؤلم ولا تنتمي له بل تنظر لمستقبل مشرق تتطلع لبلوغه .


لقد حوربت ولا تزال حملة ( ارحل … نستحق الأفضل ) ليس لأنها أرادت رحيل رئيس الوزراء فرئيس الوزراء يمتلك الأغلبية المريحة ، وليس لأنها ستكشف الفساد فإن الفاسدين في هذا العهد يفتخرون بفسادهم علانية فلا حاجة لكشفهم ، ولا لأنها تمتلك إعلاما يخشى تأثيره الصادق على الناس فالإعلام بفضل صديق رئيس الوزراء المقرب ويده اليمنى ( محمود حيدر دهداري ) يأتمر بأمره ومغلق أمام أي رأي آخر .

لقد حوربت حملة ( ارحل … نستحق الأفضل ) لأن فيها وفيها فقط اصطف الشيعي والسني والبدو والحضري والإسلامي واليبرالي وحدس والتحالف والشعبي والسلفية والمستقلين صفا واحدا الكتف بالكتف بنفس طيبة رضية ، وبقلوب تملؤها الثقة ونزعت من داخلها حظوظ النفس وشهوة الظهور ، وهنا مكمن الخطر على الفساد ومن هنا يجب أن نبدأ .

Pages: 1 2 3 4 5 6 7 8 ...57 58 59 Next