ولكم الاختيار

حتى لو كانت هذه الفكرة مكررة في هذه المقالة وحتى لو كانت هذه الفكرة أصبحت مملة عند البعض وهي من قبيل الحلم أو التنظير الزائد وعدم النظر بـ(واقعية) للأمور إلا أنني أجد من الصعوبة مناقشة حالة سياسية كالاستجواب مثلا واعتبارها حالة مستقلة عن أسبابها وظورف وجودها ، كما أجد صعوبة في عدم المناداة بالحل الجذري الذي أومن به ويشاركني به الكثير منكم .
إن استجواب وزير الداخلية جابر الخالد يجب أن يكون ممارسة سياسية صحّية سليمة واستخدام مشروع لأداة دستورية ، لكن ما يصاحب هذا الاستجواب من اصطفافات قبلية وعائلية وحضرية وبدوية وشيعية وسنية ومناطق داخلية ومناطق خارجية وتيارات سياسية فككتها الفردية والاستقلالية المتطرفة جعل هذا الأستجواب يخرج عن إطار الممارسة السليمة إلى كونه جزء من صورة عامة مؤسفة لواقعنا السياسي .
واقعنا السياسي الذي أصبحت فيه الكيانات الاجتماعية ( القبيلة العائلة الطائفة …الخ ) هي المحرك والمؤثر الأول والأهم ، واقعنا السياسي الذي أصبح فيه محاسبة الوزير مجتزءة عن المنظومة السياسية التي يعمل الوزير من خلالها يحاسب وزير ولا يحاسب الذي وضعه في هذا المنصب وأتمنه على مصالح البلاد والعباد ، واقعنا السياسي الذي فيه الوزير يأتي بتعيين متجاوز لاختيار الأمة وثقتها ، واقعنا السياسي الذي ننظر فيه للواقعة والحدث العرضي الطارئ دون أن نلتفت أبدا للسياسة والرؤية العامة للحكومة وبرنامجها الشامل للدولة .
استجوبنا الخالد ، وطرحنا به الثقة ، وراحت الخمسة ملايين ، وبقيت الكاميرا ، واستمر الجويهل في جهالته وسفاهته وعنصريته ، واستبدل رئيس الوزراء ناصر المحمد وزير الداخلية بوزير آخر يستعد لمخالفة أخرى ، واصطفت فئات الشعب هذا الاصطفاف البغيض ، وتكرر المشهد مرة أخرى مع أي وزير آخر أو مع وزير الداخلية نفسه أو بديله ، ثم ماذا .؟ يعني وبعدين ؟! لا شيء نفس الدوامة .
بصراحة أجد أن الانشغال بظواهر مرضنا السياسي وعوارضه دون الاهتمام والعمل على أسبابه ودوافعه ومعالجتها هو من قبيل تضييع الوقت والجهد فيما لا طائل منه ولا فائدة بل ربما نكون بذلك مشاركين في تردي الوضع أكثر فأكثر ، علينا أن نرتفع عن الظواهر والنتائج ونلتفت إلى مكامن الخلل الرئيسية ونعمل على إصلاحها .
فنحن أمام خيرارين ، فإما أن نستمر في الدوران في الرحا الخالي من أي فائدة ، وننتظر الاستجواب القادم والأزمة المتكررة المقبلة ونبقى في نفس مواضعنا أو نستبدلها لنأخذ موضع من يخالفنا اليوم ويأخذ هو موقعنا فنصبح معارضة ويصبح حكومي أو العكس .
وإما أن نبدأ بشكل جاد لتغيير قواعد اللعبة السياسية لنرسي قواعد عمل سياسي صحيح وراق نرتق به في بلدنا إلى مصاف الدولة الديمقراطية المحترمة والحرة ، دولة تكون فيها المحاسبة السياسية أرقى من تهديدات انتخابية تبحث عن أمجاد زائفة وأرقى من نفس تدنو على 5 ملايين دينار لتجعلها قضية تغطي على نهب مستمر لمليارات الدنانيير .
ولكم الاختيار .
اهتزاز «الولي الفقيه» الشيعي والسني!

لست مبالغا في العنوان حين أشرت لاهتزاز مقام الولي الفقيه الذي يعتقد به الكثيرون من الشيعة الاثناعشرية تلك النظرية – ولاية الفقيه – التي تحكم إيران تقوم على فكرة أن مرشد الثورة هو الفقيه المخوّل بالنطق الشرعي نيابة عن الإمام المهدي المنتظر عند الشيعة ، ومن هذه المكانة يستمد الولي الفقيه سلطته وقوته في المشهد الإيراني.
المشكلة التي يواجهها مرشد الثورة الإيرانية خامنئي «الولي الفقيه» تكمن في أنه وضع نفسه في موقف سياسي قابل للتبدل والتغير وإعادة النظر وهو ما يخرج الموقف السياسي من إطار العصمة إلى حد الخطأ وربما الخطيئة، ولا أدل على ذلك من تصريح آية الله منتظري منظّر الثورة الخمينية معلقا على الأحداث: «إن مقاومة مطلب الشعب محرم شرعا» وهذا يعني اختلاف الرؤية الشرعية بين منظّر الثورة وبين مرشدها ، هذا ما يهز مقام المرشد ويجعل الرأي الشرعي المقابل أو المخالف لرأيه معتبرا وحاضرا في ميدان التطبيق السياسي ولهذا تداعياته الخطيرة في المشهد الإيراني.
المشهد السني لا يختلف كثيرا عن المشهد الشيعي في ميدان السياسة، فلإن كانت العقلية الشيعية قد اضطرت بعد مئات السنين من غيبة المهدي عندهم لابتداع نظرية «الولي الفقيه الشيعي» فإن العقلية السنية لم تضطر لذلك لأنها أصلا استخدمت نظرية «ولاية الفقيه السني» مع أول انتهاك سياسي لحق الأمة ومصادرة لرأيها تحت عنوان «الرأي الشرعي» حتى طوّعت النصوص الشرعية الشريفة واستخدمت في غير مقاصدها ، فخرج لنا «الولي الفقيه السني» يبرر جور الأنظمة وظلمهم لشعوبهم ومصادرته لحرياتهم بأن هذا هو رأي الشرع ومقصود الله فيما أنزل على نبيه صلى الله عليه وعلى آله وسلم فقالوا : «اسمع وأطع لأميرك ولو أخذ مالك وجلد ظهرك» تعالى الله سبحانه وسمت شريعته عن مثل هذا الافتراء .
الشاهد مما سبق يتلخص في أن الشريعة الإسلامية لم تأت إلا لتخرج الناس من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد ، ولم يوكّل الله سبحانه وتعالى أحدا بعد الأنبياء عليهم الصلاة والسلام بالنطق عنه سبحانه ، وميدان السياسة يجب أن يدار من قبل السياسيين وليس الفقهاء الذين يصطنعون الهالات حولهم ويلبسون آراؤهم الخاصة لباس القدسية قصدوا ذلك أم اعتمدوا على عواطف الناس وبساطة عاطفتهم الدينية.
نعم إن الإسلام جاء ليحكم وتدار البلاد ومصالح العباد تحت ظله ، لكنه جاء ليحكم البشر جميعا سياسييهم وفقيهيم مسلمهم وغير المسلم منهم ، جاء ليحكم الشرق والغرب ، جاء لزمن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها ، فمن الافتراء على الإسلام حصره في أيدي أشخاص أو فئة أو عائلة أو نظام أو زمن أو غير ذلك من ظروف جاء الإسلام ليحتويها لا أن تحتويه.
على الهامش:
- يقال أنه بالأمس كان هناك استجواب في مجلس الأمة من قبل أحد النوّاب لأحد الوزراء أصحيح ذلك ؟! مهم أن نعرف في حالة غرق السفينة ما حال مطبخها ؟!
إلى رحمة الله يا شيخنا الجليل

يقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلّم : ( اللَّهَ لَا يَقْبِضُ الْعِلْمَ انْتِزَاعًا يَنْتَزِعُهُ مِنْ الْعِبَادِ وَلَكِنْ يَقْبِضُ الْعِلْمَ بِقَبْضِ الْعُلَمَاءِ حَتَّى إِذَا لَمْ يُبْقِ عَالِمًا اتَّخَذَ النَّاسُ رُءُوسًا جُهَّالًا فَسُئِلُوا فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا )
ونحن ننعي للأمة الإسلامية وللإنسانية جميعها الشيخ الجليل فتحي يكن رحمه الله ورضي عنه آمين نستذكر أن موت العظماء عبرة مستمرة تذكرنا دائما بهوان الدنيا وتدني سقف الطموح فيها مهما بلغ .
إنها كلمة عظيمة ( إنا لله وإنّا إليه راجعون ) تهز كياننا من داخله لنعي بيقين أننا لا نلك من أمرنا شيئا وأننا مملوكين لله الذي خلقنا سبحانه ، وأننا عبيد له مهما ظننا أو نسينا أو تناسينا أننا عائدون لمالكنا الله جلّت قدرته ، فإنا لله وإنا إليه راجعون .
غياب جبهة المعارضة
فكرة المعارضة المنظّمة فكرة سياسية راقية تمارسها الشعوب الديمقراطية الحرة ففي كل الديمقراطيات توجد حكومة وتوجد معارضة لسياسات تلك الحكومة إما لاختلاف البرنامج والمشروع أو لاختلاف الأيديولوجيا أو لمعارضة السلوك والممارسة السياسية للحكومة.
والمعارضة لا تعني دوام المعارضة واستمرارها بل توجد المعارضة بوجود ظرف سياسي فرض وجودها وبطبيعة الحال تزول بزوال تلك الظروف أو بتحول المعارضة للحكومة وتحول الحكومة للمعارضة في تبادل طبيعي للمواقع في عالم السياسة.
هذه الحالة الطبيعية الصحيّة مفقودة عندنا في الكويت لأسباب عديدة أهمها أن التيارات السياسية تعارض الحكومة ليس لمعارضة المشروع أو الأيديولوجيا أو الممارسة والسلوك السياسي لها بل تعارضها لتضارب المصالح بينها وبين تلك الحكومة بمعنى أي تيار سياسي مستعد للانتقال من صف المعارضة إلى صف الحكومة بمجرد حصول التيار أو بالأحرى أشخاصه على مكاسب معينة على مستوى التيار أو قيادات التيار وليس للمصلحة الوطنية أي علاقة بتلك المكاسب وعلى أي حال المصلحة الوطنية تكون حاضرة كشعار على الأقل لتلك الممارسة المشوهة للانتقال من صف المعارضة لصف الحكومة وتحت ذلك الشعار يتم عقد الصفقات بأنواعها.
إن ما يفسر ذلك بشكل واضح وجلي امتناع التيارات السياسية «ظاهريا » عن الدخول في الحكومة وعدم المشاركة فيها وهو من جانب يسمى «معارضة» أو كهذا يصور الوضع ولكن من جانب آخر تختفي المبررات والأسباب التي على أساسها امتنع ذلك التيار عن الدخول في الحكومة وتحوله إلى المعارضة، صحيح هناك أسباب للاستهلاك الإعلامي، لكن الأسباب التي تقوم على اختلاف المشروع والسياسات المحددة معدوم ذكرها أو يكاد ولذلك لا نجد مطالبات محددة وواضحة لتلك «المعارضات» تكون هي شرط الدخول في الحكومة أو الخروج منها!
وزيادة في تفسير الوضع المشوه لواقع المعارضة عندنا هو عجز التيارات «المعارضة » على التنسيق فيما بينها وتشكيل جبهة معارضة سياسية تشترك في الحد الأدنى من المطالب الوطنية ، ويغيب ذلك التنسيق كما أسلفت بسبب مصالح كل تيار على حدة والتي على أساسها يبقى التيار أو يخرج من الحكومة، فتنازع المصالح لا يمكن أن يكون أرضية مشتركة لعمل سياسي موحد على أساس مشروع وطني له منطلقات واحدة وأهداف مشتركة.
هذا الوضع السيئ للتيارات السياسية مثالي جدا لأي حكومة تريد أن تلعب على متناقضات التيارات السياسية ونزاعاتها المصلحية وهذا يفسر أيضا تدهور تمثيل الحركات السياسية في البرلمان دون استثناء فهل تستطيع تلك التيارات تنحية خلافاتها وتأجيل مصالحها والالتفات للعمل السياسي المشترك لتشكّل جبهة معارضة تقوم على أساس المطالب الوطنية؟! نتمنى.
في السياق:- أتمنى أن يسفر الحراك الدائر في الحركات السياسية ومراجعاتها عن رؤية مشتركة يتقاطع فيها الجميع على المصلحة الوطنية العليا فإن لم تجمع تلك التيارات الثقة فيما بينها فليجمعها الوطن الواحد ومستقبله.
لسان حالي :)
هذا المقطع الطريف المضحك المبكي يحكي لسان حالي في ما أراه من أمر حكوماتنا الرشيده وشعبنا الرشيد ، بصراحة لم أعد أرى الفرق بيننا وبين اليمن في كثير من الأمور بل ربما ألمس وتلمسون التشابه إلى حد كبير بيننا كدولتين وشعبين .
وبسألكم من الدقيقة 5:17 من المقطع ما تحسون بشي غريب ؟ أتحدى أن لا ترتسم على شفاهكم ابتسامة الأسى على الحال !!
لكن لن نستسلم … وللفعل بقية :
باب النصر على الواقع

أردت أن أكتب موضوعا أؤكّد فيه قناعتي بأن الانحياز للمبدأ ونداؤه في ضمائرنا هو باب النصر وأول خطواته ، وبينما أنا في لملمة أفكار الموضوع تلقيت دعوة كريمة من الزميل بوسند لقراءة نقله الرائع لمقال الكاتب الكبير فهمي هويدي في جريدة الرؤية ، يروي بها قصة دعوته للقاء الرئيس الأمريكي أوباما في زيارته الأولى لمصر قبل أيام ، فوجدت في تلك المقالة مثالا حي يغني عن عشرات الكلمات التي عزمت كتابتها في هذا الشأن ، فإلى المقالة الرائعة :
بسبب التعارض بين الضمير السياسي والضمير المهني، خسرت فرصة المشاركة في حوار مباشر مع الرئيس أوباما يتمناه أي صحافي. ذلك أنني كنت قد أبلغت من قبل السفارة الأميركية بالقاهرة أنني سأكون ضمن مجموعة من الصحافيين ستلتقي الرئيس الأميركي لإجراء حوار معه عقب إلقاء خطابه. أعددت نفسي وجهزت أربعة أسئلة، تمنيت أن أسمع منه إجابة عنها، وحين وصلت مع غيري من المدعوين للاستماع إلى الخطاب، أُبلغت بأن المجموعة التي ستلتقي الرئيس أوباما حجزت لها أماكن بالقرب من باب جانبي حتى ندلف منه مباشرة للقائه بعد الانتهاء من خطابه، وسلم كل واحد منا بطاقة بلاستيكية تتضمن اسمه وبيانات المناسبة. وبحبر أحمر كتب عليها إنها «إعلام مؤقت» لمرة واحدة. وعليها ختم رئاسة الجمهورية ـ إدارة الأمن ـ مع توقيع رئيس الإدارة المركزية للأمن. جلست إلى جواري صحافية ماليزية شابة قالت إنها دعيت إلى الاشتراك في الحوار، وفهمت منها أن مجموعة الصحافيين المدعوين للقاء عددهم ثمانية من العالم العربي وبعض الأقطار الآسيوية. ومن باب الفضول سألتها عن قائمة أسمائهم، فأخرجت دفترا صغيرا قرأت منه أن الثمانية موزعون كالتالي: اثنان من مصر (كنت أحدهما) وواحد من السعودية وآخر من لبنان وخامس من فلسطين وسادس من إندونيسيا وهي من ماليزيا. ثم قالت وهي تطوي الدفتر إن الثامن من إسرائيل. حينما سمعت الكلمة الأخيرة شعرت بأن عقربا لدغني، فرجوتها أن تتأكد من المعلومة، وحين أعادت النظر إلى أوراقها قالت إنها صحيحة، وأن «الزميل» الإسرائيلي ينزل معهم في نفس الفندق، وأنه جالس معنا في الصف، طلبتُ منها أن تشير إليه، ففعلت، وحين التفتُّ إليه وجدته يتبادل التحايا مع زميلنا السعودي.
لم يكن الأمر سهلا بالنسبة لي، حيث ما خطر لي على بال أن أجلس في صف واحد، ولا على طاولة حوار واحدة مع إسرائيلي في ظل الأوضاع الراهنة.
ما أزعجني في الأمر أيضا أنني لم أبلغ بأنه سيكون بيننا صحافي إسرائيلي في اللقاء مع الرئيس أوباما، وهو ما قلته لموظفة السفارة الأميركية، وأنا أنقل إليها انسحابي من المجموعة واعتذاري عن عدم المشاركة في الحوار، قلت أيضا إن الرئيس أوباما جاء ليخاطب العالم العربي والإسلامي، وإسرائيل ليست من الدول العربية، ولا هي من الدول الإسلامية، فلماذا يقحم صحافي إسرائيلي وسط المجموعة العربية والمسلمة. ومن ثم اعتبرت أن الإقدام على هذا التصرّف ومفاجأة المشاركين به يعد عملا غير بريء وغير مقبول، وهو في حده الأدنى يعبّر عن الاستهانة ببقية المشاركين.
للحظة انتابني شعور بالخجل حين وجدت أنني مدعو للجلوس على طاولة واحدة مع صحافي إسرائيلي كبير، في حين تجمع عشرة أشخاص من الناشطين الأجانب وسط الميدان الذي تشرف عليه الجامعة، وهم يحملون لافتات ويرددن هتافات بالإنجليزية تدعو إلى رفع الحصار عن غزة، وتطالب أوباما بوقف دعم إسرائيل في حرب الإبادة التي تشنها ضد الفلسطينيين، كانت هتافاتهم ترن في أذني وصور ضحايا العدوان على غزة تتراءى أمام عينيّ طوال الوقت.
دعك الآن من آلاف الناشطين الغربيين وحدهم الذين سمح لهم الأمن بالتظاهر الرمزي، لأن لهم «صاحب» يمكن أن يحتجّ أو يمنع عنهم الأذى إذا تعرضوا لأي سوء، بينما «صاحب مصر» حبس الناس في بيوتهم ولم يسمح لهم بمغادرتها منذ الليلة السابقة، لم يستغرق قراري رفض المشاركة في اللقاء وقتا، وأيدني بعض الأصدقاء الذين أثق بوطنيتهم وسلامة حسّهم. نسيت الحوار وأسئلتي الأربعة، والعناوين التي خطرت لي، بل ونسيت السيد أوباما شخصيا، وما يمكن أن يترتب على انسحابي من تداعيات. ذلك أننا نعرف أن رفض مقابلة مأمور القسم أو ضابط المباحث يعدّ عندنا أمرا مكلفا يمكن أن يدفع المرء ثمنا له لعدة سنوات، فما بالك برفض مقابلة رئيس الولايات المتحدة الذي هو «مأمور العالم» بأسره. غير أن ذلك الهاجس لم يقلقني، أولا لأنه زعيم بلد ديموقراطي يحتمل تصرفا «ديموقراطيا» من هذا القبيل. وثانيا لأنني لم أرفض مقابلة الرئيس بدليل أنني قبلت الدعوة وسلّمت نفسي لممثليه، ولكنني رفضت صحبة الإسرائيلي.
لم تكن هذه هي المرة الأولى التي أعبّر فيها عن مقاطعتي لإسرائيل بمثل هذا التصرّف الذي أعرف أنه متواضع للغاية، ولم يغير شيئا من خرائط الشرق الأوسط ولا من مواقف مثقفي التطبيع، لكنه بالنسبة لي كان نوعا من إنكار المنكر، غاية ما يحققه أنه يسمح لي بأن أنام مرتاح الضمير، ذلك أنني أعتبر أن الصحافي شأنه في ذلك شأن أي مثقف، هو في النهاية ضمير أمته، والضمير لا يقبل التجزئة أو التقسيط، إذ لا أستطيع أن أميّز بين الضمير المهني أو السياسي أو الأخلاقي، وأعتبر هذا التمييز الذي يمارسه البعض ليس سوى نوع من الاحتيال أو الالتفاف، يُراد به في النهاية تسويغ خيانة الضمير، وهو ما لا أرضاه لنفسي، وأحسب أنك أيضا لا ترضاه لي، لأنني يوم الحساب لن أسأل عن حوار صحافي خسرته، ولكنني سأُسأل عن ضميري إذا خنته.

