مدونه الطارق

إرشيف شهر يناير, 2010

28 يناير

الدولة المدنية : الإسلاميون ليسوا الطريق لها

هذه المقالة هي المقالة الثالثة من سلسلة مقالات ( الدولة المدنية ) التي بدأت كتابتها قبل أشهر، وإنني مازلت أقلب هذه الفكرة محاولا إنضاجها ، والهدف من هذه المقالات بالدرجة الأولى هو الوصول لتصور يمكنني – شخصيا – الانسجام معه والدفاع عنه والتبشير به أيضا ، وإنه كما كانت قناعاتي السابقة قابلة للتغيّر والتبدل تبقى هذه الرؤية – الشخصية – قابلة أيضا للتغيّر والتبدل ، ولقد قيل :  ( من ألّف وكتب  فقد عرض عقله للناس ) .

إن الاجتهاد البشري كما هو مسلّم لدينا قابل للخطأ والصواب ، بل إن الخطأ والصواب هما ميزات التجربة والاجتهاد البشري الذين على أساسها يستقيم الفكر ويتطور ، وعنّي أنا ، سأعمل على إقناع الناس بما أراه خير لي ولهم ، ورحم الله امرئ أهدى إلي عيوبي .

وقبل البدء في قراءة المقالة أحيلكم لقراءة المقالين السابقين لها حتى يتصل السياق وتحرر المصطلحات المعنية بالمقال :

المقالة الأولى : الدولة المدنية .

المقالة الثانية : الدولة المدنية : تحييد البعد الغيبي .

المقالة :

في مقالتي الأولى التي كانت تحت عنوان ( الدولة المدنية ) أوردت جملة تقول  : (هذا الفهم للدولة المدنية التي عاش في كنفها الجيل الإسلامي الأول يردده ويسير على منواله اليوم الإسلاميون ويطالبون به ) مستشهدا بعبارة للأستاذ الدكتور محمد حبيب نائب المرشد السابق للإخوان المسلمين رشيقة رائعة تدلل على فهم موزون وراق للدولة المدنية يقول فيها : (ما يؤكد ذلك هو أن الإسلام تحدث عن التساوي بين المواطنين جميعا في الحقوق والواجبات أمام القانون، ولا توجد سيطرة لرجال الدين، وعليه فالدولة التي يعرفها الإسلام هي دولة مدنية لها مرجعيتها الإسلامية، وهي دولة مؤسسات.. تشريعية وتنفيذية وقضائية، مع وجوب الفصل بينهما ) المصدر .

كما يقول العلّامة الدكتور يوسف القرضاوي حفظه الله : (فالدولة الإسلامية كما جاء بها الإسلام، وكما عرفها تاريخ المسلمين دولة مَدَنِيَّة ) المصدر

ويقول المفكر الإسلامي محمد سليم العوا : ( أنه مما لا خلاف فيه بين أهل الاختصاص أن إسلامية الدولة لا تنافي مدنيتها، بل هي مقررة في شريعة الإسلام وفقهه ) المصدر

لقد راجعت تلك العبارات وغيرها من التي تثني على سير الإسلاميين في طريق الدولة المدنية والمطالبة بها ، ومن وحي تلك المراجعة والتأمل الذي صاحبها أكتب هذه المقالة ( الدولة المدنية : الإسلاميون ليسوا الطريق لها).

في البداية لابد من الإشارة لعدة نقاط رئيسية أود تثبيتها قبل ولوج المقالة ، وهي إنني أعتقد أن الإسلاميين بشكل عام هم العنصر الفاعل بشكل رئيسي في العالم العربي والإسلامي فحركات المعارضة هم في طليعتها كما أنهم – الإسلاميون – أكثر الحركات أتباعا وتأييدا في الشارع العربي والإسلامي ، وهم الأكثر والأقدر تنظيما وحشدا ، وهنا أصف واقعا ولا أقيّمه ولا أحكم عليه ، لكنني أقر بوجوده حرصا على الموضوعية وتحري الإنصاف .

كما أحب أن أشير إلى أن الإسلاميين – كما أعرف وأعتقد – ليسوا على مسطرة واحدة من الفهم والرؤية والخطاب ، هناك فروقات على مستوى الحركات فيما بينها ، وهناك فروقات واختلافات أيضا على مستوى الطيف السياسي نفسه ، فهم يراوحون بين أقصى اليمين وأقصى اليسار وبينهم التيار الوسطي .

ما سبق من رأيي في التيار الإسلامي لا يمنعني من القول : أنه على اختلاف مناهج الإسلاميين ورؤاهم وخطابهم ، ورغم مطالبات بعضهم – على الأقل – بالدولة المدنية ، وإن على مستوى الآراء الفردية أو ربما في تصريحات بعض مسئولي تلك الجماعات والحركات الإسلامية ومفكريها ، إلا أن ذلك الطيف في المجتمع – الإسلاميون – بت مقتنعا بأنهم ليسوا الطريق إلى قيام المجتمع المدني والدولة المدنية من بعد .

وهذه القناعة تقوم على ركيزتين أساسيتين ، الأولى تكمن في العامل المكون للفكر والخطاب الأيدلوجي للتيار الإسلامي إضافة إلى آلياته وممارساته وموروثه ، والثانية تكمن في العامل الخارجي المحيط بالتيار الإسلامي وهو المجتمع وقوانين التعامل معه ومعالجته .

أما الركيزة الأولى المتعلقة في التيار الإسلامي نفسه أيدلوجيته وآلياته وممارساته وموروثه فرأيي فيها هو التالي:

- بدأ حراك التيار الإسلامي معلنا خطاب الثورة على الواقع الاستعماري الذي تقبع الأمة فيه تحت سطوة الاستعمار الذي يمنع المسلمين من أن يقيموا نظام حكمهم ودولتهم ، بل إن تلك القوى المستعمرة هي من أسقط ما تبقى من نظامهم الإسلامي ( الخلافة العثمانية ) في عشرينيات القرن الماضي بعدما سقطت داخليا رغم محاولات الإسلاميين الأوائل – الأفغاني ، عبده -  النهوض .

في البداية لم ينادي الإسلاميون الحركيون المنظّمون ( البنا – المهدي – السنوسي – الخطابي) بالنموذج الإسلامي كأولوية تكون هدف حركاتهم ومقاومتهم بل كان الهدف إعادة الوضع لما قبل الاستعمار وحسب ، وهنا يمكن تفهم هذا القبول بالحد الأدنى دون الأولوية مراعاة للظروف لولا أن ذلك القبول بالحد الأدنى مناقضا لحد كبير للنموذج الذي ينادي به الإسلاميون ، و مثال ذلك قبول الإخوان المسلمين تولي الضباط الأحرار شؤون مصر خلفا للملكية .

ذلك القبول بالواقع عطّل إلى حد كبير تطور الفكرة الإسلامية عن الوصول لفكرة الدولة المدنية وجعلها خطابا متسيدا المشهد السياسي الإسلامي ، بل أصبحت الحركات الإسلامية تنشغل في معالجات الواقع الجديد الذي أعقب الاستعمار واقع ( الدولة المستبدة والحكومات الدكتاتورية ).

كل تلك الظروف جعلت خطاب الإسلاميين يناقش قضايا بديهية في المجتمع المدني والدولة المدنية مثل : إلزامية الشورى من عدمها ، مشروعية الديمقراطية ، المشاركة في الانتخابات ، قبول الوظيفة الحكومية ورواتبها ، العمل في ظل الدولة الظالمة .

صاحب ذلك ظهور خطاب يحاكي فترات تاريخية غير متناسبة مع واقعنا السياسي والاجتماعي ولا ظرفنا التاريخي مثل : الفترة المكّية وما يصاحبها من قبول البطش والتعذيب والصبر عليه والعمل السري ، ثم الدولة المدنية المنشغلة بإصلاح الناس ودعوتهم والكف عن الخوض في مؤسسات المجتمع وهيئات الدولة .

تلك الظروف وما صاحبها من خطاب مازال هو الذي يثقل الحركات الإسلامية ويجعلها تنظر لمجتمعاتها نظرة التميز عنه كونها مرت وتمر بظروف استثنائية ، وكونهم – الإسلاميون – بتلك الميزة هم المعنيون الوحيدون بالتغيير والنهوض وأنهم هم الطليعة التي تتربص بالواقع لتنقض عليه لتقيم اعوجاجه وتصلح خلله ، كما أنهم هم دون سواهم الخطر الذي تتعقبه الدولة وتمكر به الليل والنهار لتوقف تمدده وانقضاضه عليها .

وتحت تلك الفكرة يقبع الإسلاميون من حيث يشعرون أو لا يشعرون تحت وطأة خطاب داخلي وخارجي خائف وتوجس من الانكشاف والشفافية والعلنية ، فنرى ممارساتهم داخليا محكومة بالسرية و ( أدبيات ) الكتمان والتخفي والانتظار والصبر وتنقية الصف ومعالجة الخلل الداخلي وغيره من أجواء مرضيّة مصطنعة لا داعي لها البتة ، بل تهز الثقة وتفقد الشجاعة و تثقل المسير وتحبط عن القيام بالواجب .

وخارجيا تنظر للمجتمع بأنهم هم المخلصون له من مشاكله والمعالجون لآلامه الآخذون بيده من ضيق الدنيا الصاخبة الغربية المتنكرة لثقافته ودينه ، إلى رحاب سعة الحياة الهادئة المستقرة المنسجمة مع مثله وقيمه وشريعته ، كما ينظرون للدولة بأنها الجزء المتبقي من فترة استعمارية سيئة الذكر لا يخرج من واقعنا ولا هو نتاج ثقافتنا ومبادئنا بل هو فرض من الخارج سيزول يوما ويرحل كما جاء !

ذلك التاريخ للإسلاميين منذ بدايتهم مرورا بالظروف التي عايشوها ساهمت في تطوّر فكرتهم نحو المجتمع المدني والدولية المدنية وهذا الجانب المشرق والباعث للأمل من ناحية في تلك المسيرة التاريخية الطبيعية في أي فكر وتيار ، لكن من ناحية أخرى ليست مشرقة بل ربما تقترب من القتامه أن الإسلاميين  باتوا أسرى لحد كبير لتلك الظروف  و صاغوا خطابهم بناء عليها لا على نموذجهم الذي يتطلعون له ويبشرون به ، كوّن لدي قناعة مفادها أن الإسلاميون من حيث تكوينهم الداخلي شكلا ( ممارسة ) ومضمونا ( فكرا وأيدلوجية )  يفتقدون القدرة لأن يكونوا بناة ومقيمين للمجتمع  و الدولة المدنية ، وتلك هي الركيزة الأولى التي كوّنت عندي تلك القناعة ، أضعها بين يديكم منشغلا في كتابة الركيزة الثانية التي أعدكم بها قريبا إن شاء الله  .

4 يناير

إنها سنين و ليست أعوام

يقول الله تعالى في قصة يوسف عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام : ( وقال الملك اني أرى سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف وسبع سنبلات خضر وأخر يابسات يا أيها الملأ أفتوني في رؤياي إن كنتم للرؤيا تعبرون ، قالوا أضغاث أحلام وما نحن بتأويل الأحلام بعالمين ، وقال الذي نجا منهما وادّكر بعد أُمّة أنا أنبئكم بتأويله فأرسلون ، يوسف أيها الصديق أفتنا في سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف وسبع سنبلات خضر وأخر يابسات لعلي أرجع إلى الناس لعلهم يعلمون ، قال تزرعون سبع سنين دأباً فما حصدتم فذروه في سنبله إلا قليلاً مما تأكلون ، ثم يأتي من بعد ذلك سبع شداد يأكلن ما قدمتم لهن إلا قليلاً مما تحصنون ، ثم يأتي من بعد ذلك عام فيه يغاث الناس وفيه يعصرون )


يقول أهل اللغة العربية حين وقفوا على الكلمتين في الآيات الكريمة السابقة ( سنين ) و ( عام ) أن السنة حين تأتي في ذلك السياق سياق الزرع والحصاد تكون منسجمة مع معاني الجدب والقحط والجفاف والضيق ، و كلمة ( العام ) تأت في سياق الرخاء والنماء والزرع والمطر والخضرة ، ومن ذلك قول الله تعالى : ( وأخذناهم بالسنين ) أي بالقحط المستمر وشحة المطر .


إن سنين الكويت الأخيرة ليست أعواما ، لما اكتنفنا من ضيق وسوء وفشل وإحباط وقلق على مصير وطن ، وتطاحن على توافه الأمور وسفاسفها ، وإدارة فاشلة مفسدة لكل ماهو صالح أو لكل ما أو من يرجى صلاحه حتى ، وبالتالي على أي أساس أهنئ نفسي وأهنئكم ؟


إن عزائي في أننا مازلنا قادرين على الفعل وعدم الاكتفاء برد الفعل وهذه هي المعادلة التي علينا الانتباه لها والتمسك بها، إن كل السنين التي نمر بها على سوئها إلا أنها لم تسلبنا – حتى الآن – المبادرة وفرصة القدرة الفعل ، ولعل هذا هو مبعث أملي بمستقبل أعوام أفضل .


هذه خاطرة مع كثرة التهاني وتبادلها بالعام الجديد ، وهي وإن بدت شاحبه إلا أنها خلاف ما تبدو عليه ، فالعزيمة على رحيل السنين وقدوم الأعوام كبيرة ، والله الموفق .