كتبت أكثر من 400 موضوع في مدونتي هذه وقضيت فيها كل تلك السنوات الماضية وكتبت في الصحف وشاركت في بعض المنتديات ولم يخطر في بالي قط أنني سأكتب مثل هذه المقالة يوما ما ، ليس لأن موضوعها لن يكون له يوما مقدرا حتميا ، بل لأنه كان مجرد التفكير في هذا الموضوع يفطر الفؤاد ويدمي القلب ويسرح في الخاطر فضلا عن الكتابة عنه بعد وقوعه .
في ظهر يوم الاثنين 8 من ربيع الأول سنة 1431 هجرية 2010/2/22 م وفي الساعة الواحدة والنصف خرجت روح أبي الغالي من جسده مغادرة عالمنا عالم الوهم إلى عالم الحقيقة التي تنتظرنا جميعا بين يدي الله تعالى ، تسللت روحه الطاهرة من جثمانه العطر وأنا أنظر إليه بين مصدق ومكذب ، هل هي الروح التي تخرج ؟ أم هو فقط تطور لحالته المرضية التي صاحبته في سنواته الثلاث الأخيرة ؟ هل ما به مجرد ضيق تنفس يحتاج معه لجرعة من الأوكسوجين وحسب ؟ أم هي سكرات الموت التي نؤمن بها ولم نرها بعد ؟ هل ما أراه من حركة لشفاه أبي هي آخر حركة لها لا أسمع بعدها مناداته لي ولا أمره علي ؟ أسأل الأطباء بعد نظرة التسليم التي تنطق بها عيونهم ما بال أبي لا يتحرك الآن هل من الممكن أن تحضروا له جهاز إنعاش القلب ؟ فيردون : أطلب لأبيك الرحمة لقد وقع أمر الله الذي لا راد له .
عند هذه الكلمات أدهش وأرى أمي بجانب أبي تشد على يده وتدعوا الله تعالى أن ينزّل رحماته عليه كما تنزل دموعها على خدها ألما لفراقه الوشيك ، وأخي الأصغر يشدهه المنظر لا يعلم ما يفعل يبكي لفراق أبيه أم لحزن أمه ودموعها ، وأنا أنظر إليهم هل أذرف دموع الابن على أبيه الحنون ؟ أم أتمالك النفس وألجم جفون الحزن بلجام المسؤولية التي تحملتها تصبيرا لأمي ولأخوتي الذين هم بين لحظة وأخرى سيدخلون علينا إثر اتصالنا بهم .
دخل إخوتي واجتمعوا حول أبيهم تسبق دموعهم كلماتهم وصلواتهم عليه ، كل يصبر الآخر وكلهم يحتاج إلى من يصبره بمصابه الجلل ، يتناوبون تقبيل أباهم المسجى مرة تلو المرة ليروون ضمأ فراق طويل وصله ، صبرت حتى رأيت أختي الصغيرة العزيزة على قلب أبيها وعلى قلبي فتهدمت أسوار تصنّع الصبر على وقع ضربات العاطفة الإنسانية الغلّابة .
ومضت الأيام بلحظاتها الطويلة الكل ينظر لك ماذا ستصنع يا بكر أبيك ؟ شهادة الوفاة وتجهيز والدك ليواريه الثرى وأخذ العزاء من كل من تلقاه أو تتلقى اتصاله ، أمك وإخوتك ، موعد الذهاب للمقبرة ومكان أخذ العزاء ، من سيضع اللوحات التي سترشد المعزين وأين عزاء النساء وأين عزاء الرجال ؟ هل اتصلت بجدتك و عمك وعماتك ؟ كيف ستنقل الخبر ؟ كيف وأين ومتى ولماذا وكل صيغة للسؤال الذي تضطر لإجابته وقول رأيك فيه ، كل ذلك وأنت تريد أن تستوعب بهدوء ما حدث وما يحدث من حولك وأنّى لي الهدوء .
وتمضي الحياة بنا كما مضت بأبي من قبلنا الذي لم يبقى فيها إلا 56 سنة عزاؤنا فيها هو رحمه الله ، لقد كان نعم الأب والأخ والإبن والجار والصاحب شهد له الأباعد قبل الأقارب من كان يعمل عنده اتصل من الهند ومن كان صديقه قبل 20 سنة اتصل من السعودية ومن كان في اجازته في كل مكان اتصل ، من كان موظفا معه في عمله قبل تقاعده اتصل ، وكل يروي لك حكاية من أياديه الكريمة وجانبا من سيرته العطرة ، تمتلئ المقبرة بالمعزين وكان يومها وحده من دفن في ذلك النهار وجموع المعزين تمتد وتمتد رأيت الرجال من أباعد الناس يبكون فراقه رحمه الله ورأيت الأقارب قد اجتاح الاحمرار بياض عيونهم .
لقد أمضى أبي رحمه الله تعالى عمره بارا بأمه وأبيه من قبل رحمه الله ، فكان لا يوصي بشيء مثل وصيته بأمه ، لقد رأيته مع أمه رحمه الله يترك الدنيا بمشاغلها ويطرح العقل والمنطق جانبا أمام عقل أمه ورأيها مهما كان ، وحين أقول له : يا أبتي لكن هذا الأمر ليس مناسبا أو لنأجله ليوم آخر يقول لي : إلا أمي .
وكان آخر أيامه رحمه الله لا يستطيع القيام من فراشه ، إلا حين تزوره أمه ( جدتي ) كان يستجمع ما بقي له من طاقه ونحمله حملا بعد إلحاحه حتى يجاور أمه ونسنده بجانبها ليقبل رأسها .
قبل وفاته بثلاثة أيام اتصل أمي قبل أذان الفجر تدعوني للقدوم في المستشفى بعد دخول أبي في غيبوبه منذ الليله الماضية ، فأتيتها فورا ، وسألتها وسألت الأطباء عن وضعه فأجابوا : إن أباك دخل في غيبوبه منذ البارحة ولا نعلم كم تستغرق ونحن فقط نراقب حالته ولا نستطيع عمل شيء له .
فجلست اكلم أمي وأراقبه وإذ بعينه تتحرك كأنه يستيقظ ، فنهضنا أنا وأمي له وإذ به يتمتم بكلمات لم نفهمها ، فقلت له : يبا تسمعني ؟ تامر على شي ؟ ولا يجيبني بغير التمتمات ، ثم حرّك يده يحكها ببعضها ، لم نفهم حركته حتى قال : الصلاة الصلاة، وفهمنا أنه يريد أن يتوضأ للصلاة .
فقالت له أمي : إن شاء الله تصلي ، بعد شوي يحضر الدكتور ونقوله ، ثم التفتت أمي صوبي قائلة : هو منذ البارحة فاقدا لوعيه منذ أن تركتموه على حاله لا يستطيع الصلاة ، وهو فعلا ليس عليه صلاة لعدم حضور وعيه معه ، وبينما أمي تكلمني إذ اغمضت عينه ووقفت حركته مرة أخرى ، وبعد دقائق عاد لنفس تمتمته وحركة يده ولا نسمع منه إلا : الصلاة ، تكرر هذا الوضع تحت إلحاحه حتى عزمت أن أعينه على الصلاة ، فأخذت الماء أسبغه على يديه وعلى وجهه ورأسه ورجله حتى توضأ ، فقلت له : يبا توضيت الحمد لله ، فكبّر وبدأ يقرأ بتمتمه حتى أغمض عينه الإغماضة الأخيرة لثلاث أيام توفي بعدها رحمه الله ورضي عنه .
حاله الطيبة هذه كانت أكبر عزاء لنا وهو الذي أمضى اكثر من 15 عاما عضوا في لجنة زكاة القرين ورئيسا لها بعد أن شارك في تأسيسها سنة 1994 ، يذهب في الصباح ويرجع وقت الغداء ثم يذهب بعد صلاة العصر ويرجع في المساء ، كان رحمه الله في أيام رمضان يفطر في المساجد مع الفقراء والمساكين على موائد الإفطار ثم يكمل إفطاره في البيت معنا ، كان ليلة العيد لا يأتي البيت إلا قريب الفجر ليطمئن بنفسه على توزيع زكاة الفطر على محتاجيها ، كان رحمه الله صاحب مشاريع عدة لم يسبق إليها من أبرزها ( كرسي ذوي الاحتياجات الخاصة ) فلقد أنشأ رحمه الله تعالى هذا المشروع بالتعاون من المستشفيات المتخصصة بذوي الاحتياجات الخاصة ليوفر لهم كراسي تلبي احتياجاتهم وتتناسب مع أجسامهم وإعاقاتهم بدل الكراسي غير المعدة خصيصا لكل حالة تتناسب معها ، لقد كان رحمه الله تعالى منذ شبابه في الدعوة إلى الله يخدمها في كل مجال هو فيه مثال للسماحة والوسطية والانصاف رحمه الله .
اتصلت احدى موظفاته في مكتبه بعد سماعه الخبر لتروي قصة له معها ومع زميلاتها تقول : رحم الله أبو طارق كان مثالا للمسؤول المنصف فلقد كنت موظفة في مكتبه مع مجموعة من الموظفات وقد منحت ادارتنا درجة للترقية فتشوّفت إليها خاصة إنني من قبيلته ومن أقدم موظفاته وليس في درجتي وينافسني إلا زميلة صديقة لي لكنها ( شيعية ) ظننت أن بوطارق كونه اسلامي ومن قبيلتي سيمنحني تلك الدرجة لا محالة ، وتفاجأت بأنه منحها لزميلتي التي ليست من قبيلته ولا من طائفته ، لقد كان موقف بو طارق رحمه الله درسا لي ولكل الإداراة عن أن مقتضى الإنصاف والعدالة أقرب من النسب ومن الطائفة .
رويت بعض تلك المواقف التي رباني أبي عليها مع أمه ومع دعوته لما يؤمن به وأفكاره التي يعتنقها ، وحاله مع ربه سبحانه وتعالى ، عمله في وظيفته الحكومية وفي عمله التطوعي ، حكايات الناس عنه وشهاداتهم له ، معزيا نفسي وأهلي به ومفتخرا بأبي الذي أسأل الله تعالى له الرحمة والفردوس الأعلى مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين آمين ، ولعل الله سبحانه وتعالى أكرم أبي بأن توفاه بمرض بشّر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم المتوفى منه بمنزلة الشهداء قائلا : ( ما تعدون الشهادة ؟ قالوا: القتل في سبيل الله تعالى. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الشهادة سبع سوى القتل في سبيل الله: المطعون شهيد، والغرق شهيد ، وصاحب ذات الجنب شهيد، والمبطون شهيد ، وصاحب الحريق شهيد، والذي يموت تحت الهدم شهيد، والمرأة تموت بجُمْع شهيدة )
وهنا أقول : لو كتبت دهري كله ما جازيت صنيع أبي في ولا بعضه ، لكنني أرجو الله تعالى أن ألتقيه عند ربنا سبحانه وتعالى وقد خلفته بما يبيّض وجهه ويعلي درجته في الجنة آمين ، وصل اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين وإنا لله وإنا إليه راجعون .
ابن أبي طارق
التعليقات :
القراء :
56 



المقالات الأكثر تعليقاً