مدونه الطارق

9 أغسطس

الدولة المدنية

 

                   ( صورة قديمة للمدينة المنوّرة )

أسألكم في بداية هذا الموضوع ، لماذا لم تسمى مكة حين بعث النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بالإسلام بـ( المدينة ) ؟! ولماذا لم تسمى الطائف بـ( المدينة ) ؟! ولماذا لم تسمى خيبر بـ( المدينة ) ؟! لماذا لم تسمى أي منطقة ولم يطلق على أي قرية مسمى ( المدينة ) حين الرسالة  ومع ذلك سمّيت يثرب بـ( المدينة ) ؟! والإجابة في معرض الحديث إن شاء الله .

 إن  أصل كلمة ( مدينة ) هو ( م د ن ) ومدن أي أقام به وسكنه ، وعلى الرغم من أن كثير من القرى كان المقام بها عامرا ومسكونة إلا أنها لم تسمى مدينة بخلاف مدينة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلّم ، فما الذي امتازت به المدينة المنوّرة حتى يطلق عليها وصف المدينة دونا عمّا سواها ؟!

لقد قامت المدينة المنورة على ساكنها الصلاة والسلام على العقد الاجتماعي ( الدستور انظر ( وثيقة المدينة ) ) الذي ينظم المجتمع وعلاقة الأفراد بالدولة وعلاقة الدولة بالخارج ووضعت معاهدات الدفاع وارست الحقوق المدنية للجميع وساوت بين أفراد المجتمع ، لقد سبق الإسلام نظريات الدولة المدنية والعقد الاجتماعي بأكثر من ألف سنة ، ورسّخ مبدائها ومارس المجتمع الإسلامي الأول الحياة في إطارها ، ولم يكن عند العقل المسلم إي إشكالية بين الدين كتشريع إلهي ، وبين الدستور كعقد اجتماعي نال مشروعيته من خلال اتفاق جميع أطراف ذلك العقد عليه وكان من تلك الأطراف يهودا ومشركين وقبائل متنازعة قبل الإسلام وتجّار أصحاب مصالح ونفوذ ،مجتمع  النساء فيه على خلاف المجتمعات الأخرى في ذلك الوقت كن ( متحررات ) بمراحل عن نساء العرب فلقد قالت عائشة رشي الله عنها تمدحهن : ( رحم الله نساء الأنصار لم يمنعهن الحياء أن يتفقهن في الدين ) وكنّ يراجعن أزواجهن ويراددوهم في الرأي ويناقشوهم بعكس نساء المهاجرين ،  كان مجتمعا متنوعا انتظم بنظام دستوري واحد تحت حكم الشريعة الإسلامية .

هذا الفهم للدولة المدنية التي عاش في كنفها الجيل الإسلامي الأول يردده ويسير على منواله اليوم الإسلاميون ويطالبون به يقول نائب المرشد العام لجماعة الإخوان المسلمون د.محمد حبيب : ( إن ما قرره الأزهر من أن الإسلام لا يعرف الدولة الدينية سليم 100% ، حيث إن الإسلام لا يعرف التمييز بين المواطنين، أو أن تكون هناك سيطرة لرجال الدين على مؤسسات الدولة، أو حكم رجال الدولة بما يمكن تسميته الحق الإلهي.. فهذا مرفوض ويرفضه الإسلام ) ويضيف : (ما يؤكد ذلك هو أن الإسلام تحدث عن التساوي بين المواطنين جميعا في الحقوق والواجبات أمام القانون، ولا توجد سيطرة لرجال الدين، وعليه فالدولة التي يعرفها الإسلام هي دولة مدنية لها مرجعيتها الإسلامية، وهي دولة مؤسسات.. تشريعية وتنفيذية وقضائية، مع وجوب الفصل بينهما )

الآن هل هذا الفهم بدأ من وثيقة المدينة أول الدساتير والعقود الاجتماعية في التاريخ الإنساني وصولا إلى فهم ومطالبات الحركات الإسلامية اليوم يختلف عن تعريف الدولة المدنية عند منظّريها الغربيين ؟! فلنرى ..

يقول جون لوك : ( حين يتحد عدد من الناس في مجتمع واحد بحيث يتنازل كل واحد عن سلطته في تنفيذ قانون الطبيعة ويسلمها للجمهور، عندها فقط ينشأ مجتمع سياسي أو مدني. ويحصل هذا عندما يدخل عدد من الناس في الحالة الطبيعية إلى المجتمع لإنشاء شعب واحد أو جسم سياسي واحد يكون خاضعا لحكومة عليا واحدة، وأيضا عندما ينضم الفرد إلى حكومة سبق وتم إنشاؤها. فهو بهذا يخول المجتمع، أو السلطة التشريعية فيه، بسن القوانين التي تتطلبها المصلحة العامة للمجتمع، والتي عليه أن يعمل ويساعد على تنفيذها وكأنها قوانين سنها لنفسه. وبهذه الطريقة ينتقل الناس من حالة الطبيعة إلى حالة الدولة )

ذلك التنازل الفردي عن السلطة لصالح التنازل للجماعة بناء على عقد إجتماعي ( دستور ) هو ما يحول مجموع السلطات الحرة التي منحها الله سبحانه للأفراد إلى سلطة واحدة عليا رسم ملامحها الشعب وأسسها وهي بالتالي خاضعة له ملتزمة بقراره واختياره ، فلا يمكن للسلطة الفرعية ( الدستور ) أن تكون أعلى وأقوى سلطة من السلطة الأصلية ( الأمة ) ، وعلى هذا الأساس لا يحق لأي دستور ولا لأي مادة دستورية أن تصادر حق السلطة الأصلية ( الأمة ) في إعادة النظر بالدساتير وموادها مهما كانت ، ولذلك سمحت الدساتير التي تحترم هذه الأساس بوجود آليات دستورية يتم للأمة من خلالها مراجعة دساتيرها ، وبالتالي أي دستور يجعل للنصوص وبعض المواد حصانة أعلى من سلطة الأمة فهو دستور يتعارض مع الحالة الطبيعية للأفراد ولمجموعهم وهي الطبيعة الحرة التي خلقوا لها وولدوا عليها يقول الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه : ( متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا ) .

عمليا مارس الإسلام ذلك بأسمى الصور وأرقاها كيف لا والإسلام جعل الشريعة السماوية وحكم الله تعالى وتشريعاته حاكمة على الناس برضاهم واختيارهم لا بإجبارهم واضطرارهم مع أن الله سبحانه له الأمر والحكم المطلق ، فالنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وأصحابه لم يشكلوا مليشيات مسلحة داخل مجتمعاتهم ليفرضوا دينهم وفكرتهم عليهم ، ولم يتحولوا لقطّاع طرق – حاشاهم – ويخرجوا من مجتمعاتهم ليشكلوا كيانا مستقلا خارجا على الناس وحقها الطبيعي ، بل ارتضوا بأن تكون قناعات المجتمع ورضاهم هو السبيل الوحيد لإقامة الفكرة وتطبيق الإسلام في كيان هو ( الدولة الإسلامية ) لقد كان النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يعرض فكرته على القبائل والقرى قبيلة قبيلة وقرية قرية بدأ من المحيطين به في مكة إلى الطائف واليمامه وقبائل العرب حتى استجاب له أهل المدينة واقتنعوا بفكرته وآمنوا بها وجاؤوه بعد عام من اقتناعهم برأي أهل المدينة ليبايعوا بيعة العقبة الثانية ، وهنا كانت بداية أول دولة مدنية عرفها التاريخ الإنساني ، دولة كان الحكم فيها للشعب عن قناعة ورضى لم يرثهم ملك عن أبيه ولم يحكمهم سيف دون إرادتهم سالبا لحريتهم ، بل ارتضى الشعب حكم نفسه بنفسه وفق شروط هو ارتضاها وسطرها في وثيقة المدينة .

وهنا أستدرك ، إن القبول برضى الناس واختيارهم يفترض وجود الإرادة الحرة للناس أصلا ، بمعنى لا يمكن أن تعرض الأفكار بعدالة في مجتمعات مسلوبة الإرادة بفعل سلطة طاغية غاشمة أو بفعل دساتير تصادر حقوق الناس وحرياتهم أو بفعل تشويه وتضليل مانع لوصول الأفكار بصفائها مهما كانت متناقضة ومختلفة إلى الناس ، فوجود مثل تلك الموانع سيجعل الباب مفتوحا للشعوب لأن تتبع أيا من الوسائل التي تراها مناسبة لتزيل أي سلطة طاغوتية تسلب حريات الشعوب وتكبّل إرادتها ، وهذا الاستدراك ينفي عن طلّاب الحرية صفة ( الوداعة الساذجة ) التي تكون في غير محلها أبدا ، فإن مقتضى الحكمة يضع الفعل المناسب في مكانه المناسب للحصول على نتائج مناسبة ، وكذلك حتى لا يأمن الطغاة مكر الشعوب وقدراتها في رفض الطغيان ، وحتى لا يضع المفكرون حواجز الوهم وهالات الرهبة وأسوار الجهل لتمنع الشعوب من استرداد حقها والتمتع بحريتها التي فطرت عليها .

وللحديث بقية … وفيه : بطلان وجود الدولة العلمانية كنظام ، وإن الوضع الطبيعي هو دولة مدنية لا علمانية .

ملاحظة : للذين يواجهون مشكلة في التعليق والمشاركة يرجى المراسلة على الايميل التالي : altariq2009@gmail.com

4 من التعليقات لـ “الدولة المدنية”

  1. ممتاز

    موضوع طال انتظاره

    لدي بعض الملاحظات

    (1) ما موقفك من الحاكمية ؟؟ و هل تتفق مع ما تقوله ؟

    (2) أضيف على ما تفضلت به بالإرادة الحرة هو إن مشروعية العقد الإجتماعي تأتي عن طريق الإستفتاء الشعبي أو ما يعرف بال
    Referendum
    و هي أساس كل تغيير يطال هذا العقد الإجتماعي

    (3) ما علاقة الدستور بالشريعة الإسلامية ؟ و أتمنى أن تفصل رؤيتك في مقال منفصل. لا يكفيني القول بأن القوانين يجب أن تكون متفقة و الشريعة. لأن الشريعة ليست محددة بنص معين يمكنا العمل عليه. فحتى القرآن و السنة مختلف على تفاسيرهما منذ أيام الخلافة الراشدة. أتمنى ان تتطرق للآليات الدستورية التي يمكن أن تضمن تنفيذ القانون المدني بعيداً عن التفاسير الدينية المختلفة

    (4) أتمنى أيضاً أن تتطرق الى مفاهيم سيادة الأمة و توازن السلطات و فصلها و الديمقراطية و الشورى من منظورك الخاص للدولة المدنية

    (5) و رجاء شخصي بأن تكتفي بشرح وجهة نظرك دون محاولة تأصيل هذا الرأي و ربطه بالسنة النبوية. ليس لأن هذا ليس مهماً ، بل لتبسيط الموضوع و منعاً لتحوير النقاش الى فقهي تاريخي

    في إنتظار المزيد يا بو شكري

  2. ألف تحية قال:

    ألف تحية

  3. بوسند قال:

    مقال ممتاز..

    أحسنت

    لدي استفسار:

    تقول حضرتك:

    ” وبالتالي أي دستور يجعل للنصوص وبعض المواد حصانة أعلى من سلطة الأمة فهو دستور يتعارض مع الحالة الطبيعية للأفراد ولمجموعهم وهي الطبيعة الحرة ”

    السؤال:

    حتى لو كانت هذه النصوص تتعلق بهوية النظام الإسلامية ، ومصدر التشريع فيه ؟!ـ

    وشكرا

  4. wafaa قال:

    جميل جداً

    يانتظار الجزء القادم ..

إكتب تعليقك