النفاق في اللغة : مأخوذ من نفقاء الجربوع وللجربوع فتحتين لجحره أو أكثر يدخل من أحداها ويخرج من الأخرى ، وهو للستر والاختباء ، واصطلاحا : هو إظهار الإيمان وإبطان الكفر .
وقد ذكر النفاق في القرآن الكريم وذكر المنافقون بشكل واضح يبيّن للمجتمع الإسلامي خطر تلك الفئة ، حتى سمية سورة من سور القرآن الكريم بـ(المنافقون ) ، وقد جاء الوعيد الإلهي لهذه الفئة بالعقاب المقيم جزاء كفرهم ، بل أنهم أشد عقابا وعذابا من غيرهم وسبب ذلك خطورتهم على المجتمع المسلم أكبرمن العدو الكافر الظاهر .
نتحدث عن النفاق الفكري لا الاعتقادي ..
ربما يظن البعض بعد قراءة تلك الأسطر أننا نصف العلمانيين جميعهم بالنفاق المذكور آنفا ، وأننا نعتقد أن كل علماني هو كافر يستحق قول الله تعالى: {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ(6) مِنَ النَّارِ} [النساء: 145]، وهذا الظن وذلك التصور في غير محله ، وإنما أردنا في تلك المقدمة تبيان ماهيّة النفاق ومصادر معرفته .
إن النفاق الذي نتحدث عنه ليس نفاقا اعتقاديا يخرج أصحابه من ملة الإسلام إلى ملة الكفر ، إنّما نتحدث عن نفاق فكري تغيّر وصف أصحابه اليوم من كلمة ( منافق ) إلى كلمة ( علماني ) والسبب في أننا ربطنا بين الكلمتين وأصحابهما أننا نعتقد أن النفاق – بغض النظر عن الجانب الاعتقادي - هو سلوك وممارسة وخيارات وفكر ونرى أن ذلك السلوك وتلك الممارسة وهذا الفكر مشابه إلى حد التطابق بين أصحاب الوصفين ( المنافق والعلماني ) .
أن المنافقين ليسوا فئة منقرضة كانت في فترة من فترات التاريخ ثم انقضت بانقضائها ، وإنما هي فئة موجودة بوجود الأسباب التي أنشأتها أول مرة ، ولذلك وجدت آيات القرآن الكريم تتحدث عن المنافقين على مر العصور والأزمنة .
من الصفات المشتركة بين المنافقين والعلمانيين …
1- لا يرضون بأن يحكم الناس بالشريعة الإسلامية بل يرون الحكم لا يكون إلا بالقوانين و الدساتير الوضعية التي ليس للشريعة عليها سلطان ، قال الله تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ(1) وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالا بَعِيدًا * وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا} [النساء: 60 - 61].
2- يستعينون بالأجنبي على المسلمين ولذلك تراهم عندنا يترددون على السفارات ويأخذون عندهم الدورات في حقوق المرأة مثلا وغيرها يقول الله تعالى : ( الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمْ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا} [النساء: 138 - 139].
3- يصفون المسلمين بالسفه والجهل والتخلف والرجعية وخفافيش الظلام وما إلى ذلك من قاموس ألفاظهم المعروفة ، قال الله تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ أَلا إِنَّهُمْ هُمْ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لا يَعْلَمُونَ} [البقرة: 13].
4- يهاجمون الجمعيات واللجان الخيرية ويتهمونها ويسخرون منها يقول الله تعالى : ( الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لا يَجِدُونَ إلا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ) .
5- دائما ما يرددون التالي : أنا كنت منهم لكن لما اكتشفت حقيقته تركتهم ، ليزعزعوا ثقة الناس في الإسلاميين يقول الله تعالى : (آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار واكفروا آخره لعلّهم يرجعون ) [آل عمران 72]
وغير ذلك من صفات نجد في واقعنا اليومي تطابقها بين المنافقين والعلمانيين ، نفس الحجج والمنطق والتهم والشبهات !! وكلهم يعيش في ظروف الهزيمة النفسية جرّاء تقدم الإسلاميين عليهم واستحواذهم على قلوب الناس وعقولهم منذ الصدر الأول للإسلام في عصر النبوة وحتى يومنا هذا .
العلماني التقليدي والعلماني المطوّر ..
كلنا يعلم العداء الدائم للحق من قبل الباطل ، فلا يوجد حق إلا وله من الباطل خصوم ، ولذلك نرى أن الإسلام الذي يمثل الحق يواجه بالباطل الذي هو كل ما عدى الإسلام يقول الله تعالى : ( فماذا بعد الحق إلا الضلال ) ؟!ببساطة شديدة هل النبي صلى الله عليه وآله وسلم وصحابته الكرام كانوا علمانيين ؟!
إذا كانوا علمانيين فالعلمانية حق وليس بعدها إلا الضلال ، وإن كانوا غير علمانيين فما هم عليه هو الحق والضلال هو العلمانية .
يرى البعض أن هذا تسطيح شديد للموضوع – طبعا لن يراه تبسيطا وتوضيحا – فيدخل ذلك البعض في متاهات الألفاظ ليطرح تساؤلات عدة يريد منها الابتعاد عن مواجهة السؤال السابق .
على أية حال ، لن يرض العلمانيون بأقل من إعادة توضيح الواضحات ، فيطرحون أسئلة مثل ما هو الحق الذي تدّعونه ؟! ومن يملك هذا الحق ؟! ثم ما هو فهمكم للعلمانية ؟! وأي علمانية باطلة تلك التي تعنون ؟!
العلمانيون يطرحون الأسئلة ليس رغبة في الوصول إلى إجاباتها ، بل لإبقاء الأمور مطاطية تصلح للبر والفاجر على حد سواء وبالتالي تجعل الإسلام مطية لأهواء أصحاب الهوى من كل مذهب وملة .
فتجد أسئلتهم المتكررة مثل : إي إسلام سيحكم ؟! إسلام الإخوان أم إسلام السلف ؟! إسلام الشيعة أم إسلام السنة ؟!ومثل : المسلمون لم يعرفوا الديمقراطية فكيف سيحكمون بها ؟! ثم يستمرون بالأسئلة حتى يصلوا لمرحلة السذاجة العجيبة فيسألوا مثلا : كيف سيتعامل الإسلام مع القانون ( الوضعي ) قانون المرور مثلا ؟!
وأسئلة كثيرة الغرض منها السؤال وليس الوصول إلى إجابات ، وعند هذه النقطة يجد العلمانيون أنفسهم أمام خيارين لا ثالث لهما :
الأول : أن يعمل العلمانيون على نشر فكرة أن الإسلام هو مجرد علاقة بين العبد وربه وليس له شأن بتنظيم حياة الناس وتصريف شؤونهم وحكم دولتهم ، وهم يرون أن قوانين الإسلام التي كانت معمولة في عصر النبي صلى الله عليه وآله وسلم إنما هي قوانين ناسبت ذلك العصر ويستحيل أن تكون مناسبة لكل العصور لا سيما عصرنا هذا .
الثاني : يرى العلمانيون الذين استيأسوا من محاولات أصحاب الخيار الأول – السابق – من العلمانيين في فرض تلك الفكرة وترويجها في المجتمع المسلم ، أن الإسلام في الأصل علماني والنبي صلى الله عليه وآه وسلم وصحابته – حاشاهم – علمانيين !! وبالتالي لا تعارض بين الإسلام والعلمانية !!!
لماذا ظهر الخيار الأول ( العلماني التقليدي ) ثم انقرض أو يكاد ؟! ولماذا ظهر الخيار الثاني ( العلماني المطوّر ) على أنقاض من سبقه ؟! وما الهدف من الخيارين أصلا ؟!
ظهر الخيار الأول ( العلماني التقليدي ) نتيجة نفسية ( قابلية الاستعمار ) التي تحدث عنها مالك بن نبي أو نظرية ( تعلق المغلوب بثقافة المتغلّب ) لصاحبها بن خلدون ، تلك النظريتيين وجدت ميدان تطبيقهما مع تراجع الدولة الإسلامية أمام نهوض الحضارة الغربية التي وجهت سلاحها وجيوشها اتجاه عالمنا الإسلامي في حقبة ما يسمى بـ( الاستعمار ) فوجد المستعمر من بعض العرب والمسلمين من عندهم تلك النفسية المنهزمة داخليا وممن المغلوبين الذين تعلقوا بثقافة المتغلب من لديه الاستعداد أن يكون ناقلا لتلك الثقافة الغربية الاستعمارية والتي عنوانها ( العلمانية ) والتي كانت نتيجة فصل الدين ( الكنيسة ) عن الدولة .
لم يخرج الاستعمار من بلادنا العربية إلا بعد أن ترك بيوضه وفراخه في وطاننا وهم ما يسمون بالعلمانيين ، وهم درجات يتراوحون إلى ما يقابل ( المنافقين ) في المصطلح الإسلامي الذين يظهرون الإسلام ويخفون الكفر متسترين بلفظة ( علماني ) إلى أن يصلوا إلى الغرر بهم والأتباع على غير هدى .
و هذه الفئة عوملت على مر التاريخ المعاصر على أنهم الفئة المنبوذة العميلة للاستعمار إلى فترات قريبة ، حتى أصبح – كما تلاحظون – أن وصف علماني يعتبر سبة وشتيمة في المجتمعات الإسلامية .
أما الخيار الثاني ( العلماني المطوّر )، فهو خيار مطوّر عن الخيار السابق ، فهو خيار حاول تلافي أخطاء من سبقه من ناحيتين رئيسيتين :
الأولى : أقام بناءه كما ذكرت على أن الإسلام أصله علماني!! ويريد بذلك الخروج من مأزق من سبقه المتمثل في مواجة الإسلام ورميه بأنه غير صالح لهذا العصر كمنظّم ومدير لشؤون الناس دولة ومجتمعا وهي الفكرة التي لم ولن تجد لها أذنا مصغية في مجتمعاتنا الإسلامية .
الثانية : أنه يظهر بمظهر المقاوم للغرب – المستعمر – والمناهض له ولسياساته وقيمه ، فيرفع عن نفسه المأزق الثاني الذي كان قد وقع به علمانيوا الخيار الأول وهو تبعية الغرب والعمالة له .
وبالتالي خرج لنا العلماني ( المطوّر ) وهو علماني يدعي أن الإسلام علماني فهو بالتالي ينادي بالإسلام ، ويخاصم الغرب فيخرج بصورة المنتم للقافة الإسلامية وتراثها غير التابع للغرب وثقافته .
لكن ما الهدف من نوعي العلمانيه ( التقليدي ) المنقرض ، والمطوّر المعرّض للإنقراض ؟!
الهدف هو واحد ( فصل الدين عن الدولة ) أي أنها نفس الفكرة التي جاء بها المستعمر أول مرة ، وسبب وجود هذه الفكرة راسخة في الفكر العلماني على تنوعة أن فكرة وجود الإسلام في شكل دولة ونظام يشكل أكبر تهديد للحضارة الغربية .
وأن وجود الاسلام في شكله الكاملة عقيدة وعبادة وممارسة بدأ بالحكم والدولة وانتهاء بأحكام الصلاة والطهارة يعني بداية عصر جديد للبشرية تتغير فيه الكثير من موزاين عالم اليوم وقيمة .
في حقيقة الأمر ، أن التعويل على حركة وأسلوب العلمانيين وطريقة تقدمهم أو تخلفهم ليست بذات قيمة كبيرة في مجرى حركة الأمة ومسيرتها فهم وإن وصلوا إلى حكم الأنظمة الإسلامية والسيطرة على الإعلام ومؤسسات المجتمع بقوة المستعمر تارة وبفضل الانقلابات والسطو المسلح على خيار الشعوب تارة أخرى إلا أنهم لن يعدوا كونهم جرثومة مرضية في جسد الإسلام وأهله تحفّز ذلك الجسد على صنع مضاداته وجعله في حراك دائم .
وإن بوادر شفاء هذا الفارس الإسلامي قد بدأت منذ سنين ، ولكن هي سنة الله في الأمم والحضارات ، فأعمار الأمم ليست كأعمار أهلها ، أن التعويل فعلا هو على الصحوة الإسلامية التي أخذت بيد الأمة للنهوض نعم صاحبت تلك الصحوة بعض العثرات ومازال لكن لكل شيء ثمن ، فالهدم سهل وسريع ولكن البناء صعب ويحتاج لوقت أطول .
التعليقات :
القراء :
46 








المقالات الأكثر تعليقاً