هذه المقالة الرابعة في سلسلة مقالات الدولة المدنية عنوانها ( الدولة المدنية : الإسلاميون ليسوا الطريق لها الجزء الثاني ) ، أكتبها بعد ما كتبت في مقالتي الأولى ( الدولة المدنية ) مبينا فيها انسجام بل اتفاق مفهوم الدولة المدنية مع مفهوم الدولة في الإسلام أو ( الدولة الإسلامية ) ذلك بالرغم من التصور المغلوط الذي يتوهمه الناس عن مفهوم الدولة في الإسلام ، كما بينت فيها كيف أن أدبيات الإسلاميين باتت تنحى ذلك المنحى في الفهم الصحيح للدولة الإسلامية وأنها دولة مدنية وهذا الفهم آخذ في التطور .
ثم تكلمت في المقالة الثانية ( الدولة المدنية : تحييد البعد الغيبي ) عن الأيدلوجيا الدينية وأثرها في تصور الدولة والروح السائدة في نظام حكمها ، مبينا ما نصه (إن الإسلام لا يفرض على مجتمع ما تبني خطاب معين أو سياسة معينة ما لم تكن وفق قناعات الناس وخياراتهم الحرة ، ولقد بينت في المقال السابق أن الإسلام لم يفرض الدين على أهميته على مجتمع المدينة – أول دولة مدنية – بل كان الدين بالاختيار المحض من قبل أهل المدينة وبالتالي من باب أولى لا تفرض السياسة والتوجهات العامة للدولة على الأمة ما لم تقبل به الأمة وتقره .) فخيار الناس في اختيار مشروع سياسي معين له إطار تشريعي محدد بالنصوص الدينية لا يعني أن ذلك الإطار ذو النصوص الدينية المحددة ملزم لخيار الناس في بعده الغيبي أو متدخل في شؤونهم واعتقاداتهم وسلوكهم ، فكون الناس تسلم بالحدود الشرعية وتختارها حدا إجرائيا تتدخل الدولة في تطبيقه ، لا يعني اختيارهم لتلك الأيدلوجيا والفكرة الغيبية التي وضعت وشرعت تلك الإجراءات والحدود ، ولا أدل على ذلك من تسليم الناس في حضارات مختلفة بعقوبات متنوعة مصادر تشريعها بعيدة كل البعد عن الفلسفة والدين أو الاعتقاد عند تلك الأمة ، ثم نبهت على أن تحييد البعد الغيبي لا يعني نزع الروح والاعتقاد عن حياة الناس ونظامهم مقررا التالي (إن تحييد البعد الغيبي في حياة المسلمين السياسية لا يعني إقصاؤه من ضمائر المؤمنين ولا من خطابهم ولا من عقولهم وأفهامهم ، بل على العكس الواجب أن يكون لأي مجتمع إنساني صحي اعتقاد ينمو في ضميره ويصرخ به حين يناديه واجبهم الإنساني ، لكن المقصود في تحييد البعد الغيبي هو تحييد التمييز عند الممارسة بين المؤمنين وبين غير المؤمنين أمام الدولة ) .
أما المقالة الثالثة وهي الجزء الأول السابق لهذه المقالة والتي كانت بعنوان ( الدولة المدنية : الإسلاميون ليسوا الطريق لها ) فكانت عبارة عن تحليل لواقع الحركات الإسلامية من حيث تكوينهم الفكري وممارساتهم المبنية عليه ، مررت فيها على ظروف نشأة الحركات الإسلامية والواقع الذي نشأت فيه وقلت عن ذلك : (ذلك القبول بالواقع عطّل إلى حد كبير تطور الفكرة الإسلامية عن الوصول لفكرة الدولة المدنية وجعلها خطابا متسيدا للمشهد السياسي الإسلامي ، بل أصبحت الحركات الإسلامية تنشغل في معالجات الواقع الجديد الذي أعقب الاستعمار واقع ( الدولة المستبدة والحكومات الدكتاتورية . ) فكان ذلك التعامل مع الواقع قد أخضع الحركات الإسلامية فكرا وممارسة لأفكار ونتائج بعيدة إلى حد كبير عن فكرة الدولة المدنية التي هي مفهوم مرادف لفكرة الدولة في الإسلام والتي يقول الإسلاميون أنهم يسعون لها ، وتلك المقالة هي كانت الجزء الأول .
أما الجزء الثاني الذي نحن بصدده فمبني على ركيزة أخرى حملتني على رفض فكرة أن الإسلاميون يمكن أن يكونوا هم الطريق للدولة المدنية ، وذلك للاعتبار التالي : لإن كان الإسلاميون من حيث الجانب الفكري البنيوي لهم أصبحوا بعيدين عن أن يكونوا الطريق للدولة المدنية فإن الجانب الواقعي العملي والنظري يرفض قيام الدولة المدنية على يد الإسلاميين .
و هذا الرفض الواقعي العملي والنظري ليس مقتصرا على الإسلاميين بل يمتد ليشمل كل فئة أو تيار أو طيف سياسي أو عرق يدعي ويزعم أنه يمتلك ( الحق ) في إقامة الدولة المدنية بناء على خصائص ذاتية فيه أكسبته ذلك الحق ونزعته من غيره ، فالإسلاميون وكما ورد في المقال السابق أنهم هم (المعنيون الوحيدون بالتغيير والنهوض وأنهم هم الطليعة التي تتربص بالواقع لتنقض عليه لتقيم اعوجاجه وتصلح خلله ، كما أنهم هم دون سواهم الخطر الذي تتعقبه الدولة وتمكر به الليل والنهار لتوقف تمدده وانقضاضه عليها ) ، إن هذه الروح وتلك الفكرة تحتل المساحة الأوسع في عقلية الإسلاميين وتتسرب إلى ممارساتهم وخطابهم المغلف بمباركة الله لهم وحتمية نصره إياهم وأنهم قارب النجاة للأمة مما يجعلهم في سياج من دخله فهو في صف النجاح والفلاح ومن خرج منه فهو التائه المحتاج للهداية .
إن تلك الفكرة تتعارض مع قواعد راسخة في كيفية بناء الدولة على أساس المواطنة ووفق الإطار المدني ، ذلك الأساس الذي يذيب الفروقات بين مختلف المواطنين ويساوي بينهم أمام القانون وأمام نظرة الدولة لهم ، ربما من حق فئة معينة من الناس أن تعتقد أنها شعب الله المختار وأنها صفوة الصفوة وهذا شأنها ، لكن من الخطأ الكبير أنها تعتقد أن تلك الخيرية المزعومة والصفوة الموهومة مكسبة لـ( الحق ) في بناء الدولة وقيادتها .
إن بناء الدولة المدنية كما قامت الدولة المدنية الأولى على عهد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وخلفائه الراشدين من بعده لم تقم على مبدأ الاصطفاء والخيرية وإن كان النبي وأصحابه صفوة الخلق وأخيرهم ، فلم يستغني النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم عن وثيقة يتوافق عليها مجتمع المدينة بأكمله يهودها و مشركيها وحتى منافقيها ، وثيقة تحدد العلاقات الخارجية والداخلية وتحفظ الحقوق وتبين قانون الجزاء ومبادئه ونظام التكافل فيه ورعاية النظام له ، كما تبين السياسة الدفاعية وضوابطها والتزام المجتمع بأطيافه وشرائح بها كونهم جميعا تحت مظلة المواطنة .
بل أبعد من ذلك لم تكن صفوة النبي المختار صلى الله عليه وعلى آله وسلم وهو من هو موجبة على الله سبحانه وتعالى أن يكفي نبيه السعي والجهد والبذل سنوات وسنوات يقاسي خلالها ما قاسى بأبي هو وأمي حتى أقام دولته على توافق من أهلها لو لم يحصل لما أقامها فيهم .
وعليه فإن نظرة الخيرية والاصطفاء لفئة أو جماعة أو أيا كان مسماها لا تقيم دولة ولا مجتمعا مدنيا ، وهذه القاعدة لا تقتصر على الإسلاميين بل هي ممتدة كما قلت في بداية المقالة لتشمل جميع الأفكار الشمولية بغض النظر عن نوايا أصحابها صادقة كانت أو انتهازية ، ولنا في النازية الهتلرية والبلشفية الروسية خير مثال قريب .
هذه المقالة وما قبلها وإن توجه فيها الخطاب للإسلاميين بالدرجة الأولى وإن بشيء من القسوة إلا أن مقصد النصح من خلالها هو الأولى والدافع لها ، إن الخير والطريق لبناء الدولة المدنية وإقامتها يكمن في توافق المجتمع على أن الدول المحترمة لا تبنى على يد فئة من فئاتها على حساب فئاتها الأخرى ، وإنما تبنى بتظافر فئات المجتمع وأطيافه ليقيموا نظاما عادلا يجعل الحرية روح أفراده والعدالة أساس حكمه والمساواة نظرة الفرد إلى أقرانه ، وهذه المبادئ وذلك النظام هو الكفيل بأن يقيم مجتمعا مدنيا يعيش الجميع المختلف في كنفه وظله ، ومن خلالها يمضي المؤمن إلى ربه ويتعبده ، ويمضي غير المؤمن إلى ما يمضي إليه ، وفي الغيب القريب يقوم الإنسان فردا ليواجه مسئوليته واختياره الحر : ( وكلهم آتيه يوم القيامة فردا) .
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
التعليقات :
القراء :
28 






المقالات الأكثر تعليقاً